آراء في مشروع الدستور الليبي (أ.د. إبراهيم أبو خزام )

آراء في مشروع الدستور الليبي
أ.د. إبراهيم أبو خزام

بدأت هذه الأيام، حملة مكثفة ومريبة تقودها جماعة الإخوان المسلمين، تدعو إلى الاستفتاء على مشروع الدستور الذي سيطرت على صياغته عام 2017م، وحاولت تمريره في ذلك الوقت ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً بسبب تصدي كثير من القانونيين لهذا المشروع الإخواني، وهو ما دفع مجلس النواب إلى وضع قانون للاستفتاء، كان من المرجح أن يجهض المشروع برمته.
وفي ظروف الفوضى السياسية هذه الأيام وفي أجواء انطلاق الحوار العبثي مجدداً بين مجلس النواب ومجلس الدولة لتقاسم السلطة والحفاظ على المكاسب الشخصية لرئاستيهما، جددت جماعة الإخوان المسلمين دعواتها للاستفتاء على مشروع الدستور، فقد انطلقت حملة مسعورة على مواقع التواصل الاجتماعي الموالية للإخوان، وكذلك انطلقت حملة تصريحات قياداتها الإرهابية داعية إلى الاستفتاء على مشروع الدستور واعتباره القاعدة الدستورية المناسبة لإعادة بناء الدولة.
لقد بنت هذه الجماعة الإرهابية خطتها على أن المرحلة مناسبة جداً لتحرير ما فشلت فيه سابقاً فقد تضاعفت المعاناة الحياتية للشعب الليبي، وهي معاناة ستدفعه، في تقديرها، إلى القبول بأي شيء، وليس هناك أفضل من هذه الفرصة لخداع الشعب وجره لقبول الدستور الإخواني الذي سيمكنهم من السيطرة، بصورة نهائية، على الدولة وبناء مؤسساتها على معتقداتهم البالية وضرب أي مشروع لبناء مؤسسات الدولة على أسس ديموقراطية حديثة ستدفع بهم إلى هامش التاريخ.
إن صحيفة “الموقف الليبي” انسجاماً مع رسالتها في نشر الوعي الدستوري ودورها في تنبيه الرأي العام الليبي إلى خطورة الفخ الذي تنصبه هذه الجماعة الإرهابية، تعتزم نشر مجموعة من المقالات والتحليلات لهذا المشروع الخطير لتبصير الرأي العام، ويسرها أن تعيد نشر بحث الدكتور إبراهيم أبو خزام المعنون بـ “آراء في مشروع الدستور الليبي” الذي سبق أن قدمه لندوة “المسار الديموقراطي الليبي وخطة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا” التي نظمها “مجمع ليبيا للدراسات المتقدمة” المنعقدة في تونس بتاريخ 18 أكتوبر 1017م، والذي نبه فيه إلى بعض وليس كل عيوب ونقائص هذا المشروع الإخواني، وهو مشروع إذا نجحت حملة التضليل الإخوانية في خداع الشعب الليبي ودفعته للموافقة على المشروع، فإنها ستنجح في فرض سيطرتها التامة وخلق مرحلة أخرى من الفوضى سيكون الدستور من أهم أدواتها.
إن صحيفة “الموقف الليبي” وهي تعيد نشر هذا البحث لأحد الأساتذة المعروفين في مجال القانون الدستوري، فإنها تدعو شعبنا الى التيقظ والانتباه وعدم الانجرار لفخ الإخوان المحكم بمعارضة هذا المشروع ووأده إذا أجبر الشعب على الاستفتاء عليه.
رئيس التحرير

آراء في مشروع الدستور الليبي
تابعت مثل غيري من المواطنين، حالة الصخب التي صاحبت ظهور مشروع الدستور الليبي، في الأيام الأخيرة من شهر يوليو عام 2017م.
وحالات الصخب في الأصل نادرة عند ظهور الدساتير، التي تصاحبها في العادة حالة من الزهو والابتهاج؛ لدلالاتها العظيمة، باعتبارها باكورة ثمار الدولة، غير أن حالة الصخب والولادة العسيرة لمشروع الدستور تستدعي تأملات عميقة.
والحق، إنني اطلعت بتمعن واهتمام شديد على مشروع الدستور، ولم يكن في نيتي التعليق عليه كتابة وبشكل علني، بسبب ظلال كثيرة والتباسات لم تترك لأمثالي غير واجب الدعاء لمن وضعتهم الأقدار في طريق الشعب، بعد أن قمنا بواجب النصح عندما سمحت الظروف، غير أن اتصالات كثيرة وصلتني من شخصيات وطنية مرموقة، وزملاء أعزاء من أساتذة الجامعات، وبعض ممن كانوا طلابي من المهتمين بالشأن العام، طالبتني باعتباري أستاذا للقانون الدستوري، بإعطاء رأي في مشروع الدستور، وهو رأي قد يساعد على بناء موقف موضوعي من المشروع.
1. إن موقفي من “فكرة الدستور” كان معروفا لعدد غير قليل من الناس من صفوة المجتمع ونخبه الفكرية والثقافية والسياسية، فمنذ أكثر من ربع قرن مضى جاهرت برأيي في أهمية الدستور للدولة الحديثة، بصرف النظر عن الأسس الأيديولوجية التي تقوم عليها، فالدستور لازمة من لوازم الدولة وشرط من شروط انتظامها واستقرارها، فعلاقة الدولة بالدستور هي علاقة علة بمعلولها، يدور معها وجوداً وعدماً، إذ حيث توجد الدولة، يجب أن يوجد الدستور.
تلك قاعدة، تحولت مع التجارب الإنسانية إلى “بديهة” ليست في حاجة إلى إثبات، والبديهة كما يعرف “أهل المنطق” حقيقة تواتر إثباتها، بالتجربة والعلم والعقل، مئات المرات، بحيث تصب في محاولة تجديد إثباتها، ولا تخلو من العبث!
إن الأيديولوجية التي يقوم عليها أي نظام سياسي، لا تلعب أي دور من حيث وجود الدستور من عدمه، بل يظهر دورها في مضمون الدستور، فهي “المأخذ” الذي يستلهم منه الدستور مضامينه، وقيمها الرئيسية هي ما يصب في نصوص الدستور.
وفي ذروة مجادلات فكرية وسياسية كثيرة، شهدتها بلادنا طوال العقود الماضية، عن الحاجة إلى الدستور في ظل حكم يقوم على الديموقراطية المباشرة، كنت ضمن أصوات “قليلة جداً” تنادي بضرورة كتابة الدستور لتنظيم الدولة، بصرف النظر عن عقيدتها الفكرية، أو شكلها السياسي، أو نوع مؤسساتها الدستورية، وقد جهرت بهذا الرأي في وجه رأي آخر يذهب إلى تبسيط المسألة بالقول: (إنّ الدستور هو عبارة عن قيد على السلطة الحاكمة، يهدف إلى غلّ يد السلطة، ويمنعها من التعدي على الشعب، ويحدد للحكومة كيفية حكمها، أما حين يتحول الشعب نفسه إلى سلطة ويمارس الحكم مباشرة، فإنه لا معنى لتقييده بدستور، فسلطة الشعب “ذات طبيعة مطلقة” لا يجب أن تقيد بأي قيد، وهو ما ينفي الحاجة للدستور في ظلّ النظام الديموقراطي المباشر).
تلك الاستنتاجات – كانت في نظري – مبنيّة على قراءة سطحية ساذجة للأفكار والعقائد السياسية، وسوء الفهم لمتطلبات الدولة العصرية الحديثة وهو ما دفعني – في وقت صعب- على المعارضة الشديدة لهذه الآراء في أروقة الجامعات وعلى منابر الإعلام وعلى صفحات الجرائد، وقد دفعت بعض طلابي الذين امتلكوا الشجاعة لبحث هذه الإشكالية في رسائل الماجستير والدكتوراه التي أشرفت عليها، وفي كتبي الأربعة عن القانون الدستوري أعلنت موقفي الثابت، وفي كتابي الأشهر “الوسيط في القانون الدستوري” الصادر أواخر القرن الماضي، عبّرت عن موقفي النهائي، وهو كتاب درسه آلاف الطلاب، واطّلع عليه مئات المهتمين، وهو بين يدي الناس حتى هذه الساعة، قلت: إنّ الدولة هي العلة التي تنتج معلولها “الدستور” ليس في ذلك زيادة أو نقصان.
2. رغم إحجامي الطويل عن العمل السياسي، منذ عام 2011م، واكتفائي بالدعاء لبلادي وأهلها بالنجاح في بناء أفضل مما كان، فقد خرجت لمرات قليلة عن هذا القرار الصارم، بتوجيه النصح لمن قدرت أن نصيحتي قد تفيده، من أولئك الذين وضعتهم المقادير في مراكز السلطان، وذلك عمل أردت به وجه الله، ومن أجل صلاح الوطن، رغم مرارة الظلم وقسوة الاضطهاد.
ومن بين الذين تواصلت معهم، ووضعت معرفتي تحت تصرفهم “الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور” بحكم أن الهيئة ذات طابع وطني، لا شأن لها بالصراع السياسي المرير، وليس من أهدافها تكريس مغالبة ظرفية لطرف ضد آخر، وقد كان من حسن الحظ أن من بين أعضاء الهيئة زملاء ومعارف، يسهل عليهم إدراك مقاصدي، ولديهم القدرة على تمييز دوائر الظلال عن خطوط الضوء في الماضي والحاضر والمستقبل.
لقد التقيت مع بعض أعضاء الهيئة في مناسبات متنوعة، وفي ثلاث مرات، كانت كلها جادة وصريحة وحميمة في أغلب الأحيان.

ولا أريد أن أشغل الناس بتفاصيل هذه اللقاءات التي امتدت ساعات طويلة، لكن خلاصتها كانت ما يلي:
أ- شرحت أهمية ما يقومون به على مستوى التاريخ، فكتابة الدساتير تضع أصحابها في مراكز علية من التاريخ، باعتبارهم الآباء المؤسسين، وقد أضحى هذا التعبير رمزًا من رموز العظمة لهم ولغيرهم من الأبناء والأحفاد، وفي معظم الدول تزخر المتاحف بصورهم وتماثيلهم وأوراقهم اعترافا بفضائلهم، فليس هناك أكثر جلالا من كتابة دستور يضع البلاد على الطريق الصحيح، بشرط أن يرتفع هؤلاء الرجال لمستوى المسؤولية.
وقد ذكّرتهم بأن المهام الجليلة، تدفع ببعض الناس للحسد، أما قليلهم العاقل فتصيبه “الغبطة” فلا أحد لا يتمنى أن يكون في موقعهم، وعليهم الإمساك بالتاريخ، حتى لا ينفلت من بين أيديهم.
ب- وضعت بين أيديهم رؤيتي للدستور، وخلاصة تجاربي مع أعمال القانون، ولأنني تلمست بعض الانحراف المبكر في المسودات الأولية التي اطلعت عليها، فقد حذرت من الانزلاق نحو مسائل ليست من صميم الدساتير ومشتملاتها، وليست من ضرورات تنظيم الدولة، وقد شرحت – على قدر ما أستطيع – فلسفة الدساتير ومشتملاتها، وأن أخطر ما يصيب صناعة الدساتير هو الانغماس في صراعات الساعة، والاستجابة للعواطف والأهواء والضغوط، التي تدفع لغرفة الدستور قضايا لا تنتمي لعائلة الدساتير.
ج- نصحت بأن تنظم لأعضاء الهيئة سلسلة من الدورات للاستماع إلى أكبر أساتذة الفكر والفلسفة والسياسة والاقتصاد والقانون الدستوري، وإجراء مناقشات معمقة حول الأنظمة السياسية والمؤسسات الدستورية وكيفية بناء الدول، فقد تولدت لدي مشاعر عن حاجة أعضاء الهيئة أو بعضهم على الأقل إلى مخزون معرفي قد يعينهم على إنجاز مهمتهم، ذلك أن نصوص الدستور تبنى على الفلسفات الكبرى، والنظريات الفقهية الراسخة، في الفلسفة والفكر والسياسة والتربية والاقتصاد، وليست قانونا لفض النزاعات اليومية الطارئة.
د- فتح حوار مجتمعي واسع حول القضايا الدستورية الكبرى، مثل شكل وطبيعة النظام السياسي، ونوع الحكومة المرغوبة، والتوجهات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ومقومات الدولة وهويتها ورموزها وشعاراتها، وذلك بقصد “استظهار” إرادة الشعب ومعرفة انشغالاته وتوجهاته وهمومه وطموحاته، فرغم أن الهيئة مكلفة بوضع مشروع الدستور، إلا إن من واجباتها تلمس إرادة الشعب، وعدم التعويل على إرادتها وحدها، فالقضايا الكبرى شأن عام لا تصح النيابة فيه، ولا يقبل فيه ادعاء المعرفة والإدراك، وإذا كانت الظروف لا تسمح بإجراء سلسلة من الاستفتاءات، فإن من الواجب إجراء حوار مجتمعي شامل.
هـ- وقد كان آخر النصائح: وجوب الاطلاع على أفضل دساتير العالم، واستخلاص الدروس من تجارب الأمم التي قطعت أشواطا طويلة في التنظيم الدستوري، وقد بنيت هذه النصيحة على معلومات وصلتني تذهب إلى تأثر الهيئة بتجارب وضع دساتير في دول مجاورة، فقد كنت أعرف على وجه الدقة مقدار الخلل في هذه الدساتير، التي تعهدتها – في الأصل – أيادٍ ليست مختصة، وهو ما جعلها دساتير مذمومة في أوطانها، تترنح بين الحياة والموت، وقد فقدت قداستها قبل الوقوف على أقدامها.
بعد شهور ظهرت من الهيئة وثيقة دستورية تحت اسم “مخرجات لجنة العمل 2″، وقد كانت فيما يبدو الصياغة شبه النهائية لمشروع الدستور، وبعد دراستها بإمعان، كتبت مقالة انتشرت بين الليبيين بعنوان “ملاحظات على مشروع الدستور الليبي”، تعبِّر عن خيبة الآمال، وتدعو إلى التريث في الدفع بهذا المشروع، ذكرت فيها الأخطاء الكبرى والفادحة في المشروع، وهي مقالة ركّزت على القضايا الدّستوريّة الكبرى، وليس على مواد المشروع، وقد عرضت أربع مسائل تتعلق بعدم ملاءمة الوقت لصدور الدستور، وانحراف المشروع عن القضايا الدستورية نحو القضايا الفرعية ذات الطبيعة القانونية واللائحية، وافتقار المشروع للرؤية الفكرية والسياسية التي يجب أن يقوم عليها، وأخيرا أهمية الصياغة المتينة والجميلة للدستور، وبناءً عليه نصحت بالتريث وعدم توريط الشعب في دستور مفكك ومشوب بالعيوب، فهو إذا صدر – بهذا الشكل – سيكون مصدرا للأزمات وليس لحل ما هو قائم منها.
إنني أظن أنّ هذه العيوب قد نجمت عن الأسباب التالية :
1. ينبعث الخطأ الرئيسي من بداية اختيار آلية وضع الدستور، فقد نص الإعلان الدستوري على اختيار هيئة تأسيسية لكتابة الدستور، ووضع آليات معقدة لإقراره، ومع أن أسلوب الهيئات التأسيسية يعد أسلوبا مثاليا لصناعة الدساتير بطريقة ديموقراطية، تتضاعف جرعاتها بالاستفتاء الشعبي، إلا أن تنفيذ ذلك يتطلب عدداً من الشروط الموضوعية لضمان نجاحه، وفي مقدمة ذلك شيوع ثقافة الديموقراطية، ووحدة الشعب وإجماعه، ورغبته الجماعية في إصدار دستور يعبر عن المصير المشترك لمواطنيه، ويحقق تطلعات الأمة وأجيالها القادمة.
وأغلب الظن أن معظم هذه الشروط لم تكن متوافرة في ظروف ليبيا الحالية، فقد كان البيت منقسما، وبدأت الهيئة عملها في ظروف الصراعات المريرة والحروب المدمرة، بما فيها من مناخ الشك، وانعدام الثقة، والتمزق السياسي والاجتماعي، وهو ما جعل المشروع أقرب إلى تكريس المغالبة منه إلى الميثاق الوطني المعبر عن الرغبة في العيش المشترك، وفق التوازنات الطبيعية للمجتمع وآمال الأمة في المستقبل.
وإذا أضيف إلى ذلك ضعف ثقافة الديموقراطية، وغياب الحوار المجتمعي العميق، والقيادة الواعية القادرة على ضبط الصراعات، فإن الخلطة تتحول إلى مائدة مسمومة.
لدي قناعة تامة بأن هذا الاختيار قد افتقر للحكمة والتبصر، وبني على تبسيط شديد لفكرة الديموقراطية، ولم يأخذ في الاعتبار الزلزال الليبي، وقادته سذاجة الزعماء نحو الاعتماد على المظهر الشكلي للديموقراطية لحل معضلة إعداد الدستور دون اهتمام بـ”جوهر” الديموقراطية وقيمها، التي كانت ستدفع نحو أساليب أكثر عقلانية لكتابة الدستور، ثم إصداره بالديموقراطية “الرصينة”.
إن كتابة الدساتير عملية سياسية وفنية مهمة ومعقدة، وتلجأ الدول لإنجازها باتباع آليات تتفق مع ظروفها، ولا تخرج هذه الآليات عن الاعتماد على لجنة ذات مستوى عال من الكفاءة لكتابة الدستور، ثم استفتاء الشعب عليه، أو اللجوء إلى هيئة تأسيسية منتخبة وفق شروط دقيقة تضمن وجود الكفاءات وتنوع خبراتها، أو المزج بين هذه الأساليب بشرط توافر الظروف الموضوعية للنجاح، وفي مقدمة هذه الظروف اتفاق الأمة أو معظمها على الخيارات السياسية الكبرى المتعلقة بشكل نظام الحكم، وتوجهات المجتمع، ودرجة تطوره التاريخي.
ولم أسمع في تاريخ كتابة الدساتير، لجنة أو هيئة، يعهد إليها بكتابة دستور دون توجيه مسبق حول النظرية السياسية التي يقوم عليها، ونظام الحكم المراد تأسيسه، والتوجهات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي يجب البناء عليها.
ومن أبجديات كتابة الدساتير: الحصول على توجيهات مسبقة عن شكل النظام السياسي، وفصيلة مؤسساته، ونوعها ديموقراطية، برلمانية، رئاسية، أو مختلطة إلخ، وفي غياب التوجيه أو الحوار المجتمعي، يغدو الدستور اجتهادا فرديا يقع فيه الخطأ والصواب.
2. إن اختيار الهيئة عن طريق الانتخاب، ودون ضوابط دقيقة، وفي ظروف التوتر والصراع؛ قد أنتج هيئة قليلة الانسجام، وهو ما عبرت عنه المقاطعات السريعة، والانسحابات المتكررة، والطعون القضائية في بعض أعضاء الهيئة وإجراءاتها، وهي طعون طالت رئيس الهيئة نفسه، وقذفت به بعيدا في منتصف الطريق، وقد أدى ذلك إلى التحول عن الهدف، وهو وضع دستور رصين، إلى الحفاظ على كيان الهيئة نفسها، فقد أصبح هدف الهيئة هو “الحفاظ على تماسك ما تبقى” بأي ثمن ولو على حساب الدستور، وذلك بمحاولة إرضاء كل عضو، خشية فقدان الأغلبية اللازمة لإنجاز المشروع، وهكذا تغلب الشكل على المضمون.
3. أدى تحول الهدف إلى جعل الدستور “سوقا للمساومات”، وأغلب الظن أن الهيئة انقلبت من مؤسسة وطنية جامعة تهدف إلى صياغة مشروع وطني، إلى مجموعة من الأعضاء المدافعين عن قضايا جزئية، ونزاعات محلية وجهوية وفئوية، وهكذا أصبح الدستور سوقا للمساومات، أعطني مادة أعطك أخرى، وافق على جملة أوافقك على مثلها، أكتب هذه الكلمة أو أنني سأسحب صوتي، وقد أضحى لكل صوت قيمة غالية أكثر مما يمثل في الواقع، لأن انسحاب أصوات قليلة جدًا كان كافيا لاقتلاع الهيئة من جذورها، ونسف وجودها كليًا، وفي مثل هذه الظروف لا تكتب الدساتير.
إن الحل يكمن في تصحيح الآليات، فهي الطريق الوحيد لتصحيح المضمون.
4. إنني ما زلت – ولن أغير رأي – لناحية أهمية إصدار الدستور، غير أنني في هذا الوقت لا أراه حاجة ضرورية للبلاد، وذلك في ظني ليس بدعة في تاريخ الدساتير، فقد اعتادت الدول في ظل الصراعات والحروب، الاستعاضة عن الدساتير بوسائل بديلة، استعدادا لتهيئة الظروف للمرحلة الدستورية النهائية، فالدستور “ميثاق جماعي” لبناء وطن يقوم على الرضاء التام لأبنائه، وهو ما يدفع إلى وضعه في ظروف الهدوء والاستقرار، وليس في علمي أن دستورا كتب له البقاء إذا ظهر في أجواء النزاعات والقلق.
ولا أعرف كيف يمكن الاستفتاء على دستور والقبول بأحكامه، بواسطة شعب نصفه معزول سياسيا، يعاني ويلات الهجرة والنزوح، ونصفه الباقي يعاني شظف العيش، تحتويه طوابير المعاناة، وهي طوابير أكثر طولا من طوابير الاستفتاء.

أعرف أن “ديماغوجية” الاستفتاء قد تضفي عليه شرعية شكلية، فمن النادر فشل الاستفتاءات في بلدان العالم الثالث، فالاستفتاء بمظهره الديموقراطي يتحول إلى ديماغوجية سافرة، عندما توهم الشعوب بأن إصدار الدساتير هي مفاتيح الحل لمعاناتها.
وفي مثل هذه الأحوال يندفع الناس للموافقة، ليس إعجابا بالمضمون، بل تعلقا بالوهم الذي زرع في أذهانها، وأغلب الظن أن تصويت الناس لن يكون بعيدا عن إجابة ذلك المواطن البسيط الطيب، حين سئل عن الدستور فأجاب بأنه “سكَّر”!!
إن الحل العقلاني الملائم لظروف بلادنا اليوم، هو اللجوء إلى إصدار إعلانات دستورية مؤقتة، أو قوانين أساسية تنظم بشكل مؤقت قضايا الحكم وشكل الدولة، قضايا الحقوق والحريات، قضايا الحكم المحلي واللامركزية، قضايا نظام القضاء، قضايا الإعلام والصحافة، قضايا المصالحة الوطنية الشاملة، قضايا الطوارئ والتعبئة، قضايا تكوين الأحزاب والجمعيات، قضايا السيادة الوطنية والسياسة الخارجية إلخ.
إن حالة ليبيا الراهنة تستدعي “تفكيرا إبداعيا”، وليس الانسياق وراء تجارب أخرى وتقليدها بشكل أعمى، تفكير “خارج الصندوق” كما يقال، ينطوي على الإبداع والتأمل، ولعل أحد الأخطاء التي ارتكبت -وقد تتكرر مرة أخرى- هو الاعتماد على إعلان دستوري شامل.
إننا في حاجة إلى “قوانين أساسية مؤقتة” تتسم بقدر من الجمود، تشبه الدساتير من حيث رصانتها، وهي التي ستشكل -يوما ما- مضمون الدستور الدائم للدولة، بعد أن يكشف تطبيقها مزاياها وعيوبها، وبعد أن ينطلق في ظلالها “حوار مجتمعي شامل”، وفوق ذلك بعد إنجاز “مصالحة وطنية شاملة” تعيد للمجتمع وحدته وزهوه وتطلعاته.
ولعل أغرب ما سمعت من بعض أعضاء الهيئة وغيرهم: أنّ مشروع الدستور ينطوي على عيوب كثيرة، لكن دعونا نصدره، ثم نلجأ فيما بعد إلى تعديله، وهو ما يكشف القصور في النظرة للدستور، وهي نظرة تنزع عنه مقدما أهم خصائصه “القداسة والاحترام”، ولا أدري لماذا لا تعمل على علاجه وهو يتخلّق بين يديك، عوضا عن جراحته وهو حي يرزق، وأخشى أن تتحول هذه الدعوة -ذات يوم- إلى قتله قتلا رحيماً!!
تلك بعض الملاحظات المبدئية، ولدي غيرها مما حجبته رحمة بالجمهور. وإذا فتحنا كتاب مشروع الدستور، فإن الملاحظات يصعب وضع نهاية لها، ففي كل مادة من مواده ما يستحق التعليق والتأمل.
ذكرا للمزايا والعيوب، ولأسباب عملية فإنني سأكتفي بتناول عينات محدودة، مساهمة في النقاش العام، وذلك على النحو التالي:
أولاً: إن مشروع الدستور قد انزلق انزلاقاً واسعاً نحو القضايا غير الدستورية، ليتناول قضايا لا تدخل بطبيعتها ضمن موضوعات الدستور، وتكتفي أغلب الدول بتركها للتنظيم القانوني أو اللائحي في بعض الأحيان، وعلى المشروع الدستوري -منذ البداية- التمييز بين القضايا الدستورية عن غيرها، ذلك أن القضايا الدستورية، فضلا عن أهميتها الموضوعية، فهي قضايا تتميز بالثبات والاستقرار، مما يجعلها ليست قابلة للتبديل أو التغيير إلا بعد سنوات طويلة، وهو ما يضفي على الدستور وموضوعاته الاحترام والقداسة، وإذا ضمنت ضمن نصوصه قضايا القوانين واللوائح المتغيرة، فإنه بسبب التغييرات المتكررة يفقد احترامه وقداسته.
إن الدساتير حين نشأت -في الأصل- انصبت على موضوع دستوري واحد، هو تنظيم السلطات العامة في الدولة، وذلك بغرض ضمان ثبات المؤسسات الدستورية، ومنع الحكومات المتغيرة من تبديل أحكامها أو التلاعب بها، فالدستور في الأصل هو “الصك المنظم للسلطات العامة للدولة”.
إن الدستور الأمريكي -وهو أول دستور مكتوب في العصر الحديث- كان صكاً لتنظيم سلطات الدولة، وذلك هو سر محدودية مواده، فقد ظهر في سبع مواد، كرست واحدة فقط لتنظيم السلطة التشريعية، وثانية للرئيس، وثالثة للقضاء، ورابعة لتنظيم الاختصاصات بين الاتحاد والولايات، وما تبقى لتنظيم مسائل عامة وانتقالية تتعلق بالانضمام للاتحاد والتصديق على الدستور وكيفية تعديله.
تلك كانت مشتملات الدستور، وهو دستور لم يمس كثيرًا منذ أكثر من قرنين، ومع الزمن ظهرت للوجود قضايا دستورية أخرى، لا تقل أهمية، كان في مقدمتها الحريات العامة، وحقوق الإنسان، وذلك بسبب صلتها المباشرة بالمؤسّسة الدستورية، مصدر الخطر الرئيسي على هذه الحريات والحقوق.
ذلك هو ما دفع المشرع الدستوري الأمريكي إلى الانتباه المبكر لإصدار وثيقة الحريات في عشر مواد، وهي ما يعتبره كثير من الناس تعديلات دستورية، فهي في الواقع إضافة وليست تعديلا.
مرّت أوقات طويلة قبل أن تتسع الدساتير لموضوعات جديدة، فالدستور نظرا لمكانته السامية لا يجب أن يتضمن سوى المبادئ العامة والتوجهات الكبرى للدولة، وحتى الموضوعات التي هي من صميم الدستور، يكتفي المشرع الدستوري -عادة- بتنظيم مبادئها العامة وثوابتها الدائمة، ويترك لغيره تنظيم تفاصيلها ومتغيراتها، وعلى سبيل المثال، فإن السلطة القضائية وهي من أهم المؤسسات لا تحظى بالتنظيم الدستوري المفصل، بل يكتفي المشرع الدستوري بوضع المبادئ العامة التي يرتكز عليها النظام القضائي، ليترك للمشرعين (على اختلاف درجاتهم) تنظيم هذه السلطة المهمة، وليس هناك من دستور مرموق، ينغمس في التفاصيل المتغيرة، ويعرض نفسه للتلاعب والتغيير.
إن ما يجب أن يفهمه (الناس) أن الدستور هو: (توجيه للمشرعين والحكام)، يلزمهم بالتشريع والحكم وفق ثوابت ومبادئ (يضعها الدستور)، ولا يتحول هو نفسه إلى أداة حكم يحل محل المشرعين والحكومات، وإذا حدث ذلك فإن الدستور يفقد أهم خصائصه، الثبات والاحترام.
نظرًا للتطور الهائل في أساليب الحياة، وتزايد حدة الصراعات، وتعدد التيارات الفكرية والفلسفية، وتنامي الأيديولوجيات في القرن العشرين، ظهرت الحاجة إلى التفات الدساتير إلى موضوعات جديدة أصبح من حقها اقتحام حقول الدساتير، لتحظى بالتناول والتنظيم الدستوري، فالدستور -في جانب من جوانبه- هو تعبير عن رؤية حضارية و(طريقة حياة) الأمة التي تنبعث من جذور فكرية عميقة، دينية أو فلسفية، وذلك هو ما جعل الدساتير تهتم بتنظيم (التوجهات الكبرى) للمجتمع، وتدرجها ضمن مشتملاتها، باعتبارها مبادئ حضارية وثقافية واجتماعية واقتصادية تشكل أهداف الأمة وغاياتها، وهكذا ظهرت “المقومات” باعتبارها موضوعا أصبح من “مشتملات” الدستور، لكن هذا الاهتمام ينصب على المبادئ دون الانغماس في التفاصيل.
تلك هي -على الإجمال- مشتملات الدساتير الأساسية التي تشكل القواسم المشتركة لدساتير الدول المتحضرة، ومن الطبيعي أن تضاف مشتملات أخرى لبعض الدساتير، بحكم خصوصيات الدول وظروفها، التي تستدعي في أحوال ما الاهتمام بهذه الخصوصيات والظروف وإدماجها في صلب الدستور، ومع ذلك فإن الأمر يدور في إطار المبادئ والتوجهات، ولا يتعلق بالمتغيرات والتفاصيل.
ثانيًا: مع الزمن ابتكر الفكر القانوني الفرنسي فكرة غاية في الروعة، هي فكرة (القانون الأساسي) للتوفيق بين الحاجة للتنظيم الدستوري لبعض الموضوعات، والحفاظ على الخصائص الطبيعية للدساتير.
“القانون الأساسي” هو شكل جديد من أشكال القانون، يقع في منطقة وسطى بين الدستور والقوانين العادية، من حيث الجمود والمرونة والثبات والتغير، فهو يشترك مع الدستور في بعض خصائصه، وأهمها تعلقه بتنظيم السلطات العامة للدولة، ودرجة ثباته النسبية، ويشترك مع القانون العادي من حيث طبيعته المتغيرة ومرونته القابلة للتعديل، وهكذا فقد ابتكر العقل القانوني فكرة القانون الأساسي.
يتميز القانون الأساسي بخصائص عديدة، فهو:
(أ): قانون “يفصل” المبادئ الدستورية الواردة في صلب الدستور، سواء تعلق الأمر بالسلطات العامة للدولة، أو الحقوق والحريات العامة، أو مقومات الدولة، أو غير ذلك من مشتملات الدستور.
(ب): ينطوي على قابلية أكثر مرونة للتعديل والتطوير إذا استدعت الحاجة أو تغيرت الظروف.
(ج): ينطوي على قدر من الجمود يمنع الحكومات من تغييره والتلاعب بأحكامه، فهو جزء من دستور الدولة من بعض الوجوه، وجزء من قوانينها العادية من وجوه أخرى.
وبسبب ذلك فإن وضعه أو تعديله يتطلب إجراءات خاصة، وأغلبيات موصوفة، تجعله يعلو على القوانين ويقترب من الدساتير من حيث الاحترام والثبات.
“القوانين الأساسية” هي الفكرة القانونية الملائمة للتوفيق بين الحاجة إلى إدخال بعض الموضوعات إلى دائرة التشريع الدستوري، والحاجة إلى الاستجابة للمتغيرات والظروف، دون المساس بالدستور الأصلي الذي يجب أن يكون ثابتا لا متغيرا.
لقد كان يكفي المشرعين في ليبيا الانتباه لمعالجات الدستور الفرنسي الحالي الذي أحال معظم الموضوعات للقوانين الأساسية الواردة عشرات المرات في هذا الدستور، فقد اكتفى هذا الدستور بالنص على المبادئ الأساسية والثوابت الرئيسية، وترك تفصيلها للقوانين الأساسية، وقد حدد الدستور نفسه كيفية وضع هذه القوانين، وكيفية تعديلها وجعلها في مرتبة قريبة من الدستور، دون أن يغلق على سلطات بلاده الاستجابة للتطورات وضرورات التغيير.
إن فكرة “القوانين الأساسية” شائعة اليوم في معظم دساتير العالم، وعلى الأخص تلك الدساتير التي تأثرت بالفكر الدستوري الفرنسي، ورغم أن مشرعينا نقلوا عن الدستور الفرنسي بعض نصوصه، إلا أنهم فشلوا في الانتباه إلى أفضل ما فيه، وهي فكرة القوانين الأساسية.
تنظم “القوانين الأساسية” -عادة- مؤسسات دستورية مهمة تعتبر جزءًا من السلطات العامة للدولة، أو تفصل موضوعات مهمة وضعت مبادئها العامة في صلب الدستور، نأى الدستور نفسه عن التعرض لتفاصيلها، ومع أنه لا يوجد إجماع فقهي على حصر القوانين الأساسية أو مجالاتها، إلا أن أهمها القوانين المنظمة للمجالس التشريعية، والقوانين المنظمة للسلطة القضائية، وعلى الأخص المحكمة العليا والمحاكم والمجالس الدستورية، قوانين الانتخاب، قوانين تنظيم الأحزاب، قوانين الطوارئ، قوانين الحكم المحلي، قوانين الصحافة والإعلام، قوانين رايات الدولة وشعاراتها، قوانين تنظيم الهيئات والمؤسسات المستقلة كالبنوك المركزية وأجهزة الرقابة وهيئات التنمية والمجالس المعنية بقضايا الحريات وحقوق الإنسان، القوانين الاقتصادية المهمة مثل القانون المالي للدولة، وقوانين حماية الثروات القومية، وذلك فضلا عن قوانين حماية الأقليات، أو غير ذلك من القوانين المهمة لدولة ما وفق ظروفها وتاريخها، وعلى الأخص ما يتعلق بمقوماتها القومية والدينية والحضارية إلخ.
إن مثل هذه القوانين لا تدرج في صلب الدستور، الذي يكتفي بوضع مبادئها ومرتكزاتها، ويوجه سلطة التشريع إلى تفصيلها وفق المبادئ الدستورية.
إن هذه القوانين تشكل مع الدستور حزمة دستورية واحدة، وهي بحكم طبيعتها المقاربة للدستور توضع بطريقة تتسم بالحرص والعناية، إذ يتطلب إصدارها أو تعديلها إجراءات صلبة مثل تطلب أغلبيات برلمانية خاصة، أو الاستفتاء الشعبي عليها أو غير ذلك من الإجراءات المقصود بها حماية هذه القوانين من نزوات وغوغائية السلطات التشريعية المنتخبة، والحكومات الحزبية المتغيرة.
إن مشروع الدستور الليبي لم يدرك هذه الحقائق، ولم يلتفت إلى فائدة القوانين الأساسية، ولهذا السبب وقع في أخطاء فادحة، إما بإقحام هذه الموضوعات في صلب الدستور، أو تركها لتنظيم القوانين العادية، وفي الحالتين كان الخطأ فادحًا.
إن إقحام هذه الموضوعات في صلب الدستور لا يمكن تبريره، فهو فضلا عن تضخيم الدستور سيقود إلى الترقيع المستمر لنصوص الدستور، مما يفقده قدسيته واحترامه، فالتعديل المتلاحق سينزع عن الدستور أهم خصائصه، وإذا تعسر التعديل -يوما ما- فإن الحل الأسهل، سيكون القفز على نصوص الدستور وتجاوزها، وتلك سمة واضحة في بلدان العالم الثالث، إذ إن النصوص الزاهية التي توضع من أجل تمرير الدستور، هي أول النصوص التي يجري انتهاكها.
أما ترك هذه الموضوعات لتنظيمها بالقوانين العادية، فهو لا يقل خطورة، إذ سيجعل الأمر بيد أي مجموعة قليلة للتلاعب بمؤسسات الدولة وتسخيرها لمصلحتها، وذلك كله يؤجج الصراع ويقود لعدم الاستقرار، والتجربة الليبية الماثلة اليوم تقدم أفضل الدروس في استخدام القوانين للمغالبة، حين يلوى عنق القوانين وتتحول قاعات المحاكم إلى ساحات للمماحكات.
إن مشروع الدستور الليبي مليء بمثل هذه الإخفاقات، فقد حشر بين نصوصه عشرات المواد ذات الطبيعة غير الدستورية، فمن المواد الأولى المتعلقة بمقومات الدولة إلى نهايته المكرسة للهيئات المستقلة والأحكام العامة، امتلأ الدستور بالحشو والإطناب، وليس من مقومات الدولة تفصيل سياسات الزراعة والصناعة والسياحة، وكيفية إدارة المرافق العامة والضرائب والزكاة والأوقاف والإسكان وأصول حماية الآثار والمخطوطات، وليس من حقوق الإنسان تنظيم الماء والغذاء والرياضة وتحديد أولويات التعليم إلخ.
وليس من موضوعات الدساتير تفصيل بناء المؤسسات القضائية وتناول جزئياتها من القضاة وأعضاء النيابة والمحامين ومدراء إدارة التفتيش والرقابة والمحكمة الدستورية وتكوينها واختصاصاتها وطرق الطعن أمامها إلخ.
وليس من موضوعات الدساتير تناول الحكم المحلي بكل تفاصيله من التكوين والصلاحيات إلى كيفية تدبير الموارد مرورا بشرعنة بناء العلاقات الخارجية إلخ.
وليس من موضوعات الدساتير “بناء هيئات دستورية مستقلة” من نوع المجالس المختصة بالبحوث وحماية الموروث والتنمية والشفافية والإحصاء والإعلام ومكافحة الفساد والصحافة والعلوم والابتكار إلخ.
لا أحد يجادل في أهمية مثل هذه الموضوعات، ووجوب توجيه المشرعين والحكام للاهتمام بها ووضع مبادئها العامة في الدستور، لكن لا أحد يقبل أن يتحول الدستور إلى برنامج عمل ومصفوفة من الأماني وقوائم الشعارات.
إن الدستور مليء بمشتملات ليست من طبيعته وتفاصيل تتناقض مع خصائصه، وقد كان يكفي هيئة الدستور النص على المبادئ العامة لهذه الموضوعات وتوجيه المشرعين لتفصيلها، فقد كان يكفيها مثلا، وفي مادة أو مادتين، النص على إنشاء هيئات دستورية مستقلة وتحديد المبادئ الرئيسية التي تقوم عليها لتترك لمشرع المستقبل بناء هذه المؤسسات، وقد كان يكفيها أن تتناول القضاء في مادة أو مادتين، تحدد المبادئ القضائية العامة وهيكل القضاء لتترك التفاصيل لقانون القضاء، وقد كان يكفيها أن تنظم المحكمة الدستورية في مادة أو مادتين تنص على إنشاء المحكمة ودورها ومبادئها لتترك لقانونها الخاص تفصيل غير ذلك من قضايا، وقد كان يكفيها عند تناول مقومات الدولة الاقتصادية، أن تحدد المبادئ الرئيسية التي يقوم عليها الاقتصاد الوطني وتوجهاته الكبرى دون غوص في تفاصيل ذلك، وهكذا في جميع موضوعات الدستور تقريبا، إن هذا الإخفاق والفشل في صياغة دستور محكم، يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية هي: عدم الانتباه لأهمية القوانين الأساسية، وسيطرة المساومات بين أعضاء الهيئة، وأخيرا التأثر بدساتير أجنبية سيئة الصياغة، كما سأبين فيما بعد.
ثالثًا: إن مشروع الدستور ارتكب أخطاء فادحة في تنظيم السلطة، وإذا قدر لهذا الدستور التطبيق، فإنه لن يكون قادرًا على إدارة الصراعات، بل سيكون سببًا في اندلاع الأزمات بما وضعه من نظام غريب لبناء السلطة، وما صاحب هذا البناء من قصور، لن تنجح المؤسسات الدستورية في التعايش معه، ولن تنجح المحاكم في فك اشتباكاته، والأرجح أن يقود الدولة إلى حالة تصلب شرايين أعمق بكثير مما تشهده الساحة السياسية اليوم.
إًن تنظيم السلطة هو الموضوع الرئيسي للدستور، فرغم أهمية غيره من المشتملات، إلا أن تنظيم السلطة كان وسيظل الموضوع الرئيسي لأي دستور، وبسبب هذه الأهمية فإن هذا الموضوع يجب أن يحظى بالدقة الكاملة والوضوح التام، من حيث “تحديد طبيعة النظام” و”شكل المؤسسات” و”العلاقة بين المؤسسات وصلاحياتها”، وتلك مسائل لا يشوبها الغموض فحسب، بل صيغة بطريقة تنطوي على الكثير من الغرابة.
إن الاطلاع على الباب الثالث، المنظم للسلطات العامة للدولة، يثير تساؤلات يصعب حصرها، لكنني لأسباب عمليّة سأكتفي بالملاحظات التّالية:
الخطوة الأولى: عند بناء المؤسسات الدستورية، هي تحديد طبيعة النظام السياسي المرغوب والأسس الفكرية التي يقوم عليها.
إًن هذه المسألة المبدئية، هي القاعدة الأساسية التي تبنى عليها المؤسسات، والخيط الناظم لحلقات السلطة، والضمانة لاتساق المؤسسات وعدم تعارضها.
وقد اعتادت الدساتير في مقدماتها أو في صدر موادها تحديد الأسس الفكرية والسياسية ونوع النظام المهيمن على الدستور، إذ يقال عادة إن دولة ما هي “جمهورية، أو ملكية ديموقراطية”، حكمها نيابي أو رئاسي، أو غير ذلك من أوصاف.
إن هذا التحديد ليس مجرد وصف للدولة، بل يعد كشفا لطبيعة النظام الذي ستبنى عليه المؤسسات، يلخص مؤسساتها ويضمن تناسقها ويساعد -فيما بعد- على صياغة ما يوضع من قوانين، وإيجاد الحلول لما ينشأ من معضلات دستورية.
إن اختيار النظام -في الأصل- مسألة مجتمعية يجب أن تخضع للاتفاق العام، ثم تقوم الهيئات التأسيسية أو لجان كتابة الدستور بالتعبير عنها وصياغتها في نصوص واضحة، وذلك يتطلب إما اللجوء إلى حوار مجتمعي واسع، أو استفتاء الشعوب على طبيعة النظام، وإذا لم يحدث ذلك فإن الهيئة التأسيسية تأخذ على عاتقها اختيار نوع النظام الذي تستشعر تجاوبه مع إرادة الغالبية من أبناء الشعب، وبما أن ذلك -جميعه- لم يحدث فإن الهيئة التأسيسية اختارت نظاما غريبا، ولم تحدد جذوره الفكرية، ولا طبيعته السياسية.
لقد نص الدستور الليبي الصادر عام 1951م على تكوين (دولة ديموقراطية مستقلة)، وهي: (ملكية وراثية.. حكمها نيابي).
فقد نص هذا الدستور على ديموقراطية الدولة الملكية ذات الحكومة (النيابية).
ينص الدستور الفرنسي في المادة الأولى على أن فرنسا: جمهورية، علمانية، ديموقراطية، واجتماعية.. إلخ.
وينص الدستور المصري في مادته الأولى على أن مصر: نظامها جمهوري ديموقراطي إلخ.
إن هذا التحديد مهم للغاية، ليس لفهم طبيعة النظام وحسب، بل لبناء المؤسسات، وقد نصت المادة الأولى من المشروع على أن “ليبيا دولة مستقلة.. تسمى الجمهورية الليبية”.
وقد انصرف الدستور بشكل واضح عن مصطلح “الديموقراطية”، ولم يرد في أي موقع فيه لأسباب لا يصعب إدراكها، كما لم يحدد طبيعة النظام، عما إذا كان نيابيا أو رئاسيا أو مختلطا، ولأنه لم يفعل ذلك فقد أنتج نظاما غريبا، فيكون النظام نيابيا في بعض الأحيان ورئاسيا في أحيان أخرى ومختلطا في ثالثة ولا نظام معروف في أحيان كثيرة.
قد يحاجج البعض بأن الدساتير الحديثة لم تعد مقيدة بالأنماط التقليدية المعروفة، ومن الطبيعي أن يلجأ الدستور إلى تنوع الحلول للاستفادة من التجارب الدستورية الأخرى، وإنتاج أنماط جديدة تستجيب لحاجات العصر وتطلعات الشعوب، إذ لم يعد هناك دستور يعتمد على نموذج أساسي واحد، إن ذلك قد يكون مفهوما إذا تم تحسين الدستور بحلول لا تهدم الشكل الأصلي للنظام، ولا تؤثر في عمل المؤسسات، لكن ما فعله مشروعنا هو بناء آلة ضخمة بقطع غيار متنوعة جرى تركيبها بطريقة تعسفية، قد تعطي شكل الآلة، لكنها لن تستطيع الدوران وإنتاج الطاقة.
إن عدم تحديد النظام أدى إلى الارتباك الواضح عند تصميم المؤسسات، والظاهر أن الهيئة الدستورية اختارت من حيث المبدأ “النظام البرلماني” باعتباره أساسا لبناء المؤسسات الدستورية، ثم قامت بترقيعه عن طريق حلول من أنظمة رئاسية ومختلطة، فجاء الدستور هجينا غريبا أشبه بمخلوق “فرنكشتاين” الذي سيكون من المستحيل السيطرة عليه عندما تدب فيه الحياة.
إن اختيار “النظام البرلماني” كأساس للسلطة الليبية يعد خطأ فادحا، إذ أثبتت التجارب في كل مكان في بلدان العالم الثالث فشل هذا النظام في تحقيق الديموقراطية والاستقرار.
يعد النظام البرلماني في دولة مثل ليبيا أسوأ اختيار، ويذهب اعتقادي إلى أن الهيئة التأسيسية قد اختارت هذا النظام انسياقا وراء أوهام تذهب إلى أن النظام البرلماني هو النظام الأكثر ديموقراطية من بين الأنظمة النيابية، ولو أن الهيئة وقبل الشروع في كتابة الدستور -أجرت- حوارا مجتمعيا معمقا أو حتى بين أعضاء الهيئة لاكتشفت خطأ هذا الاختيار.
ما من شك أن النظام البرلماني من أقدم النظم النيابية وأقربها للديموقراطية من الناحية النظرية، فهو يضع جوهر السلطة بيد نواب الشعب، غير أن هذا النظام يتحول إلى وصفة مسمومة في البلدان التي لم تتهيأ بطريقة صحيحة لممارسة الديموقراطية.
إن النظام البرلماني لم ينجح في تحقيق الديموقراطية والاستقرار، إلا في مجتمعات قطعت شوطا طويلا في مضمار الديموقراطية، وهو يستلزم شروطا موضوعية كثيرة لنجاحه، وفي مقدمتها شيوع الثقافة الديموقراطية.
إن النظام البرلماني يتحول -بصورة تلقائية وسريعة- إلى نظام ديماغوجي وغوغائي.
منذ مئات السنين ظهرت نظرية معروفة تسمى “تحول الأنظمة”، وهي نظرية تذهب إلى تحول الأنظمة بطريقة غير محسوسة، من النظام الحسن إلى السيئ، وذلك حين يبدأ التعارض بين الشكل والمضمون، الشكل هو شكل النظام الخارجي، أما المضمون فهو “القيم” التي تشكل جوهر النظام.
إن الديموقراطية مثل أي نظام، تقوم على شكل خارجي هو المجالس والأحزاب والمؤسسات الدستورية الأخرى، أما المضمون فهو “قيم” الديموقراطية مثل الحرية والعدالة والمساواة والتعددية القائمة على قبول الآخر، وغير ذلك من القيم التي تشكل “ثقافة الديموقراطية”، ولا تقوم الديموقراطية إلا عند الانسجام الكلي بين “الشكل” المؤسسات، و”القيم” الثقافة، وحين يجري التعارض بينها ويتغلب الشكل؛ فإن الديموقراطية تنقلب للديماغوجية، كما تتحول الملكية الدستورية إلى استبداد، والأوليغارشية إلى طغيان.
تلك نظرية معروفة منذ القدم، فالديموقراطية الشكلية حين تخلو من القيم والضوابط تتحول إلى نظام غوغائي، لا شأن لها بالديموقراطية والحكم الرشيد.
إنّ بلدان العالم الثالث -بشكل عام- بسبب ضعف التراكم الديموقراطي تقع مبكرا فريسة للديماغوجية والغوغائية، بسبب اعتقادها الساذج بكفاية العنصر الشكلي.
إن دولًا متقدمة في مضمار الديموقراطية وقعت أيضا فريسة لهذا الاعتقاد، وهو ما حدث لفرنسا، أحد معاقل الديموقراطية، فقد أسست الجمهورية الرابعة عام 1946 على دستور النظام البرلماني، وهو ما عارضه ديغول ودفعه للاستقالة من هذا النظام، بسبب رؤيته النافذة ويقينه بأن هذا النظام سيغدو ديماغوجيا، لأنه سيقع ضحية لمزايدات الأحزاب الكثيرة، وغوغائية زعاماتها، وهو ما حدث بالفعل، إذ شهدت فرنسا في ظل هذا الدستور أشد أزماتها، وهي أزمات لم تفلت منها إلا بدستور الجمهورية الخامسة، وهو دستور أهال التراب نهائيا على النظام البرلماني.
هناك قاعدة لا تكذب، تذهب إلى أن الديموقراطية البرلمانية في بلدان العالم الثالث تسقط منذ ولادتها، إما بالتحوّل إلى ديموقراطية شكليّة كاذبة، أو إلى نظام غوغائي.
إنّ تجربة ليبيا في السنوات الأخيرة كافية للدلالة على صحة هذه الاستنتاجات، فرغم وجود المؤسسات الشكلية للنظام النيابي، إلا أنها تجسّد الحقائق الغوغائية، مجالس نيابية متعددة ومنقسمة على ذاتها، وحكومات ليست معنية بما يجري تحت قباب البرلمانات، وزعامات نيابية أو حزبية أو قبيلة تنغمس في شؤون أخرى.
رغم أن الهيئة التأسيسية تبنت من حيث المبدأ النظام البرلماني وقامت بترقيعه، إلا أنها لم تحسن تشييد هذا النظام، وقد افتقرت -بصورة واضحة- للخيال والقدرة على استشراف المستقبل، وذلك يتضح مما يلي:
أ- أن الهيئة -في الأصل- لم تشيد نظاما برلمانيا متكاملا، بل قدمت نظاما منقوصا، فما كتبته عبارة عن نظام برلماني يبني السلطة التشريعية والتنفيذية، وذلك هو السياج الخارجي للبناء، لكن الدستور أهمل عشرات القضايا المهمة في صلاحيات هذه المؤسسات، والعلاقة بينها، والأسلحة المتاحة لكل منها.
فهناك فراغ هائل في نصوص الدّستور، وهو فراغ لا يمكن سدُّه بالقوانين الأساسية أو الأعراف الدستورية في دولة بلا أعراف دستورية.
ومن الغريب جدا أن الهيئة التي ملأت الدستور بالمشتملات غير الدستورية، كانت شحيحة جدا عند الاهتمام بموضوع الدستور الأساسي وهو تنظيم السلطة، وهناك فراغات هائلة في باب تنظيم السلطة، ويعود السبب مرة أخرى إلى عدم الاعتماد على “نموذج سياسي واحد”، فتعدد النماذج السياسية أحدث فجوات بين هذه النماذج، لم تعرف الهيئة كيف تسدها، وإذا حدث أن بدأ التطبيق فإن هذه الفراغات ستتحول إلى مناطق صدام مستحكم بين المؤسسات الدستورية.
ب- إن السبب الرئيسي لهذا الخلل -في ظني- يعود إلى اعتماد الهيئة على الدستور المصري، فقد نقلت الهيئة عن هذا الدستور عشرات النصوص -بصورة حرفية تقريبًا- وهو ما أوقع الهيئة في فخاخ لم تستطع الخروج منها.
إًن الدستور المصري نفسه محل انتقاد في الأوساط القانونية والثقافية، بسبب عدم اعتماده على “نموذج سياسي واحد”، وهو أمر أدخله -مبكرا- في مرحلة ارتباك، وهناك اليوم دعوات ملحة لإحداث تعديلات فيه للخروج من هذا الارتباك، ويحلو لبعض الصحفيين والمثقفين وصف دستورهم بأنه (سمك، لبن، تمر هندي) بسبب تعدد النماذج وما أحدثته من ارتباك.
ورغم عيوب هذا الدستور (يكفي الاطلاع على المقدمة لإدراك الخلل) إلا أنه يخلو من الفجوات، فقد استطاعت لجنة كتابة الدستور الربط بين النماذج المتعددة، إذ لا يوجد به فجوات تذكر، فقد أطلقت اللجنة خيالها وعالجت ما يمكن أن يحدث من مشاكل، رغم عيوب كثيرة في صياغة هذا الدستور.
إن هيئة الدستور الليبية نقلت بعض المواد بصورة حرفية، لكنها لم تتابع النقل حين تعلق الأمر بفجوات الدستور، فقدمت تنظيما منقوصًا للسلطة، لا أعرف كيف يتم علاجها.
ج- في تنظيم السلطة -على سبيل المثال- لا الحصر نقل مشروع الدستور الليبي النصوص المصرية في تنظيم مجلس النواب بصورة شبه حرفية، (انظر الباب الثالث من مشروع الدستور الليبي، الباب الخامس من الدستور المصري) كما نقل الكثير من النصوص المتعلقة برئيس الجمهورية والحكومة، وبينما عالج الدستور المصري كل القضايا المتعلقة بتنظيم هذه المراكز والعلاقة بينها بصورة واضحة، وقام بحل معظم الإشكاليات التي يمكن أن تنشأ بين هذه المراكز، فإن المشروع الليبي جاء قاصرا بصورة واضحة وأهمل قضايا لا يمكن إهمالها، نشير إلى بعض منها فقط على النحو التالي:
* نظم الدستور المصري كيفية تعيين الحكومة بصورة واضحة، وبإجراءات دقيقة، في المواد (146 – 153)، فنص الدستور على صلاحية الرئيس بتكليف رئيس الوزراء الذي يشكل الحكومة ويعرضها مع برنامجها على مجلس النواب لنيل الثقة، وإذا لم تنل الثقة يكلف الرئيس رئيسا آخر للوزراء بترشيح حزب الأغلبية، ليعرض هو الآخر حكومته وبرنامجه لنيل الثقة، وإذا لم ينل الثقة -هذه المرة- يحل مجلس النواب بقوة الدستور، ويعين الرئيس وزارة على عاتقه لتعرض على مجلس النواب الجديد، وفي حال اختيار الحكومة من حزب الأغلبية فإن الرئيس وبالتشاور فقط مع رئيس الوزراء يعين وزراء الوزارات السيادية وهي: (الدفاع، الداخلية، الخارجية، العدل).
يلاحظ الإجراءات الواضحة والتنظيم الدقيق لمشاهد مختلفة قد تحدث أو لا تحدث، وهي إجراءات تمنع الفراغ الحكومي، وتفض الاشتباكات بين الرئيس والبرلمان: فكيف عالج المشروع الليبي ذلك؟
لا شيء فيه يدل على التنظيم الدقيق، ولم يتصور في الأصل الإشكاليات التي يمكن أن تحدث، فقد نص بصورة مبتسرة في المادة (104) على صلاحيات الرئيس في (تعيين) رئيس الوزراء و(اعتماد) الوزراء وإجراء (التعديلات الوزارية)، اكتفى المشروع بذلك دون أن يجيب عن أية تساؤلات مهمة مثل:
من أين يأتي رئيس الوزراء؟ هل هو اختيار شخصي للرئيس يخضع لرؤيته ومزاجه، أم يشترط أن يكون مستندا لأغلبية ما في البرلمان؟ وما علاقة البرلمان بتعيين رئيس الوزراء والوزراء؟ هل يجب على الحكومة نيل الثقة أم أن اختيار الرئيس ملزم للبرلمان؟! أين هو البرنامج الحكومي أساس الثقة؟ وما الحلول التي يضعها الدستور إذا رفض البرلمان الثقة في رئيس الحكومة أو وزرائه؟ ماذا يفعل الرئيس عند ذلك؟ وإذا تعطل الاختيار أكثر من مرة، ما الحل؟
ليس هناك في نصوص المشروع أية إجابة أو تصورات.
إن النص الوحيد الموجود في الدستور هو نص المادة (115) وهو نص تمت صياغته بطريقة غامضة ومعيبة، تجعله ليس قادرا على حل الإشكاليات، بل يؤدي إلى تفاقمها وهذا نصه: (إذا قرر مجلس النواب بأغلبية “ثلثي أعضائه” [المنتخبين] -وكأن بالمجلس أعضاء غير منتخبين!!!- عدم الثقة في الحكومة وجب عليها [الاستقالة]، ويكون القرار بالأغلبية المطلقة لأعضائه [المنتخبين] إذا تعلق بأحد الوزراء، ويجب عليه في هذه الحالة اعتزال الوزارة، ولا ينظر مجلس النواب في طلب منع الثقة عن الحكومة إلا بعد جلسة [استجواب]، وبناء على طلب كتابي مقدم من خمسة عشر عضوا على الأقل، ولا يجوز أن يطرح هذا الطلب للمناقشة إلا بعد ثمانية أيام من يوم تقديمه، ولا تؤخذ الآراء إلا بعد يوم من إتمام المناقشة). تلك هي المادة الوحيدة التي وردت لتحديد العلاقة بين الوزارة ومجلس النواب، والتي يمكن أن (يشتم) منها شيء يتعلق بنيل الثقة، وهي مادة شديدة العيوب، من نوع (سمك، لبن، تمر هندي)، فهي مادة تتحدث بوضوح عن “منع الثقة” عن (حكومة عامل)، وليس عن تشكيل حكومة جديدة، لأن منع الثقة يؤدي إلى (استقالة) الحكومة أو (اعتزال) الوزير، والاستقالة والاعتزال يدلان على شيء قائم وليس شيئا في طور الإنشاء، كما اشترطت المادة أن لا يتم منع الثقة إلا بعد [استجواب]، والاستجواب كما سنلاحظ لاحقا لا يتم إلا في وجه حكومة شرعية عاملة، وليس مشروع حكومة.
لا شيء في هذا المشروع يدلنا على كيفية اختيار الحكومة ولا نيلها الثقة، وإذا طبق هذا الدستور فإن من حق رئيس الجمهورية اختيار رئيس الوزراء، الذي يختار وزراءه ويعتمدهم الرئيس، ولا شيء بعد ذلك.
فجوات عميقة أدى إليها النقل غير الدقيق من الدستور المصري.

نظم الدستور المصري بشكل دقيق العلاقة بين رئيس الجمهورية وحكومته، وذلك في المواد (174- 139) ومن قراءة النصوص يتضح الآتي:
– أن العلاقة بين رئيس الجمهورية وحكومته علاقة (تبعية).
– أن الرئيس هو “رئيس السلطة التنفيذية ” المادة (139) فهو الرئيس الفعلي للحكومة.
– أن الحكومة ورئيسها تستمد شرعيتها وقوتها من الرئيس الذي يعينها ويعفيها.
– أن الرئيس يحتكر تعين الوزراء أو الوزارات السيادية على الأقل المادة (146).
– أن الرئيس يرأس اجتماعات مجلس الوزراء عند حضورها.
– أن الرئيس والحكومة يشتركان في وضع السياسة العامة للدولة ويشرفان -معا- على تنفيذها.
– أن الرئيس هو المسؤول عن العلاقات الخارجية، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة.
– أن الرئيس هو المسؤول الوحيد عن تعيين الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين.
– أن الرئيس هو المختص بإعلان الحرب وحالات الطوارئ والمراسيم بقوة القانون والدعوة للاستفتاء.
– أن الرئيس يفوض بعض صلاحياته.
أمّا كيف نظم مشروع الدستور الليبي هذه المسائل، وما العلاقة بين الرئيس والحكومة؟
فتلك من عجائب الدستور الليبي من حيث الآتي:
• أن العلاقة بين الرئيس والحكومة علاقة غامضة لا تخضع لتراتبية كما فعل الدستور المصري، فقد نص المشروع على: (تناط السلطة التنفيذية برئيس الجمهورية والحكومة)، وذلك دون تحديد لطبيعة هذه العلاقة، ومدى سلطة الرئيس على رئيس الوزراء والحكومة، (المادة 96)، وهو وضع من المؤكد أن يقود إلى سلسلة من الصراعات بين الرئيس والحكومة.
• أن الرئيس (يعين) رئيس الوزراء و(يعتمد تأليف الحكومة) وإجراء (التعديلات الوزارية) (المادة 104)، وهو ما يعني عدم قدرة الرئيس على (عزل) رئيس الوزراء، فليس في نصوص الدستور ما يعطي الرئيس سلطة العزل، وهو ما يعني انقطاع العلاقة بمجرد التعيين.
ولا يكفي في ذلك الاستنتاج بأن من يملك سلطة التعيين يملك سلطة العزل، وفي أضعف الافتراضات فإن هذا الوضع يقود للنزاع.
• لا يعد الرئيس -وفق هذا النظام- المسؤول التنفيذي الأول، إذ ينص المشروع صراحة على أن من صلاحياته (تحديد) وتوجيه السياسات العامة للسلطة التنفيذية، (المادة 104)، وهو ما يعني أن السلطة التنفيذية بيد غيره، وليس له سوى التوجيه (العام) دون وضع أي معايير للسياسات العامة عن غيرها.
• أن الرئيس لا يحضر اجتماعات الحكومة ولا يرأس اجتماعاتها إذا قرر حضورها.
• أن الحكومة بعد تعيينها تستمد شرعيتها ووجودها من الدستور، وليس الرئيس ولا مجلس النواب.
• لا توجد علاقة مشاركة بين الرئيس والحكومة، بل إن العلاقة قد تتحول إلى علاقة منافسة، فكلاهما يحظى بقدر من سلطة تنفيذية، لم تحدد دوائرها، وعلى سبيل المثال فإن من حق الرئيس والحكومة كل على انفراد اقتراح مشروعات القوانين.
• إن الرئيس لا يحظى بأي سلطة لتعيين كبار الموظفين، وأقصى ما أعطاه له مشروع الدستور (التعيينات والإعفاءات في الوظائف العليا برئاسة الدولة) والمؤسسات التابعة لها ( ف 10 المادة 104)، وهو ما يعني تعيين كبار موظفي (ديوانه) وليس غيرهم، وذلك في اعتقادي من أغرب النصوص في أي دستور مكتوب على وجه الأرض.
ورغم نص الدستور على مسائل بروتوكولية وهامشية وجعلها من اختصاص رئيس الجمهورية، إلا أن هذه الوظيفة -بالشكل التي هي عليه- لن تجعل الرئيس قادرا على الحفاظ على وحدة البلاد واستقلال الوطن وسلامة أراضيه، ورعاية مصالح الشعب وفق نص المادة (98).
* إن الخلل لا يقتصر على اضطراب العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، أو الرئيس والحكومة، بل يدب في كل مفاصل السلطة، فجوات عميقة واضطراب شديد يعج به تنظيم السلطة التشريعية نفسها.
ومن حيث المبدأ، فإن قيام السلطة التشريعية على مجلسين، لا بد وأن تكون محل نظر، والقاعدة أن معظم الدول لا تلجأ إلى هذا التنظيم إلا استجابة لظروف خاصة.
تكمن فلسفة التنظيم التشريعي بمجلسين: إما بسبب شكل الدولة (الاتحادي)، أو محاولة عقلنة التشريع بإنشاء مجلس ثاني مهمته كبح التشريعات المتسرعة، ومقاومة النزعات الغوغائية للمجالس النيابية، أو للتوافق مع موروث تاريخي يصعب التخلي عنه، وفي غير هذه الأحوال، فإن معظم الدول تعتمد في سلطتها التشريعية على مجلس واحد، لأسباب تتعلق بضبط الديموقراطية وحسن أدائها، والحاجة إلى ضبط الإنفاق الحكومي، وتتوجه الدول نحو الاعتماد على مجلس واحد لكفايته في تنظيم الدولة التشريعي، وحين تلجأ إلى وجود مجلس ثان، فإن هذا المجلس يهدف -في العادة- إما لعقلنة التشريع أو لتحقيق التوازن بين مكونات الدولة، أو للقيام بأدوار مكملة للمجلس الأول، وفي غير ذلك من الأحوال فإن المجلس الثاني يتحول إلى عبء لا فائدة منه.
والواقع أن ليس هناك في ليبيا حاجة واضحة لهذا المجلس، فهي دولة عربية إسلامية موحدة ومتصلة، تتشابه مع معظم الدول العربية التي هجر -معظمها- هذه الفكرة.
ومع ذلك وبافتراض التسليم بالحاجة إليه في ليبيا، فقد كان يجب أن يكون مكملا للمجلس الأول أو معقلنا له، أو لتحقيق التوازن بين مكونات الدولة، وذلك لم يحدث بحسب ما تذهب إليه مواد المشروع، فهو مجلس لن يكون له دور بناء في السلطة التشريعية، فهو خليط من مجلس استشاري وتشريعي، لا يلعب أي دور إلا في مجالات ضيقة للتشريع، معروفة على سبيل الحصر، وليس من بينها أهم التشريعات المتعلقة بالحريات العامة وحقوق الإنسان، أما ما تبقى في المجال التشريعي فهو دور استشاري لم تحدد ملامحه، ولا حدود آثاره، مما يجعله شكليا لا قيمة له.
إن المشروع قد أعطى المجلس الثاني صلاحيات ليست تشريعية، ورغم أهميتها إلا أنها لن تلعب سوى دور معطل لعمل السلطات الأخرى، التشريعية والتنفيذية، وسيتحول هذا المجلس إلى سلطة معطلة لعمل الدولة وتنغيص العمل على السلطات الأخرى.
والأمثلة في المشروع كثيرة يمكن اكتشافها بسهولة.
* لعل أكبر النقائص التي قد تصل إلى حد الكوارث؛ إهمال المشروع لأهم المسائل الدستورية، وهي كيفية وضع (الميزانية العامة للدولة) والحسابات الختامية لها.
الميزانية العامة للدولة هي أهم مسألة دستورية، تحرص الدساتير على تنظيمها بشكل دقيق وواضح لا لبس فيه ولا غموض، والواقع أن (ميزانية الدولة) هي الأساس التاريخي للنظام الديموقراطي برمته، فقد نشأت الديموقراطية والمجالس النيابية -في الأصل- بسبب النزاع على كيفية (إدارة موارد الدولة)، وانبعثت المجالس النيابية لضمان وجود ممثلين عن الشعوب (دافع الضرائب)، يكون لهم (الرأي النهائي) في كيفية تحصيل الموارد والإنفاق، وذلك ما يعبر عنه (بالميزانية العامة).
ولا يوجد دستور حديث لا يتناول هذه المسألة المهمة بالتفصيل (المادة 124 وما بعدها من الدستور المصري)، (المادة 47 من الدستور الفرنسي)، (المادة 61 بند 8.9 من الدستور الأمريكي) المادة… إلخ.
وهكذا فإن كل الدساتير تعتبر ميزانية الدولة أهم مسألة دستورية، وذلك هو الوضع الطبيعي.
كيف عالج مشروع الدستور الليبي هذه المسألة؟
لا شيء في المشروع يدل على تقدير أهمية هذه المسألة لدى الهيئة الدستورية، فقد مرت عليها مرور الكرام عندما حددت اختصاصات المؤسسات الدستورية، فنصت المادة (67) على (إقرار) (مجلس الشورى بمجلسيه) الموازنة العامة للدولة، ونصت المادة (116) الفقرة 4 على اختصاص مجلس الوزراء بإعداد مشروع (قانون) الموازنة العامة.
تلك مبادئ سليمة -نسبيا- إذا تجاوزنا (حرفية المصطلحات)، لكن كيف توضع الميزانية؟ وما إجراءات ومواعيد عرضها على السلطة التشريعية؟ وكيف تناقش أبوابها وبنودها؟ وما ضوابط تعديلها؟ وكيف يحل الأمر إذا عارضت السلطة التشريعية مشروع الميزانية؟ وما الحلول إذا اختلفت حولها الهيئات التشريعية نفسها؟ وما دور رئيس الجمهورية؟ وكيف تتصرف الحكومة إذا تعطلت الميزانية أو اختلفت مع السلطة التشريعية؟ وماذا يترتب على التعطيل غير المبرر لقانون الميزانية؟ هل يتوجب حل المجلس أو استقالة الوزارة؟ إلخ من الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عنها.
ولاستمرار مسلسل الغرابة، فإن المشروع نص في المادة (61) على أن الميزانية العامة لا تصدر إلا بأغلبية (الثلثين)، بالطبع من أعضاء المجلسين، وهو نص فريد وبدعة جديدة لا توجد في أي دستور من دساتير الدنيا، وهو ما يعني عمليا صعوبة إن لم يكن استحالة إصدار قانون الميزانية، وفي حالة الديموقراطية الليبية! فإنه يسهل الجزم بالاستحالة المطلقة.
* إن واحدة من أهم معضلات مشروع الدستور، هي بناؤه على فكرة (التعطيل) المتبادل لمؤسساته، وهو تعطيل نشأ -في ظني- بسبب عدم الدقة في فهم المبادئ الرئيسية التي يقوم عليها النظام السياسي.
نصت المادة الثانية من المشروع على أن “يقوم النظام السياسي على مبادئ التعددية السياسية، والتداول السلمي على السلطة، والفصل بين السلطات والتوازن، والرقابة بينها على أساس الحكم الرشيد القائم على الشفافية، والمراقبة، والمساءلة “، وهو نص منقول -بتصرف- عن نص المادة 5 من الدستور المصري، بعد حذف أحكام مهمة منه، وإضافة عبارات لا تعني أحكاما دستورية محددة، وبصرف النظر عن العبارات الفضفاضة فإن المبادئ السياسية التي تم اعتمادها هي التعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات، والتوازن والرقابة، وهي مبادئ مقبولة بشكل عام، بصورة نسبية، وإن كان من الممكن الجدل العميق حول بعض هذه المبادئ.
وإذا كانت هذه المبادئ هي ما يقوم عليها النظام السياسي، فقد كان يجب تفريغها فيما يأتي بعدها من مواد، وهو ما لم يحدث بشكل دقيق.
إنّ كثيرا من الدساتير تذهب إلى وضع مبادئ مشابهة، ولتجسيد هذه المبادئ فإن الدساتير تذهب إلى:
أ- التحديد الدقيق -قدر الإمكان- لصلاحيات كل مؤسسة، أما ما لا يمكن تحديده بدقة فإن الدساتير تتركه للقوانين الأساسية والأعراف الدستورية والأصول العملية للممارسة الديموقراطية، التي يثريها -في العادة- الفقه الدستوري، وتتحول الاجتهادات نفسها مع مرور الزمن إلى ممارسة دستورية (مبدأ فصل السلطات).
ب- تزويد المؤسسات الدستورية بالأسلحة الضرورية للدفاع عن نفسها في مواجهة احتمالات “تغول” السلطات الأخرى على صلاحياتها، أو المس بكيانها، كما تزودها بالأدوات الهجومية لإجبار السلطات الأخرى على الالتزام بالدستور، ومن أشهر هذه الأسلحة: حق حجب الثقة والاستجواب الممنوح للسلطة التشريعية، وحق الحل الممنوح للسلطة التنفيذية وإلزامية الأحكام والمبادئ التي تقررها السلطة القضائية (مبدأ التوازن).
ج- وضع آليات دستورية عملية ومرنة لفض النزاعات بين المؤسسات الدستورية (مبدأ المراقبة).
إن وضع مبادئ سياسية واضحة، وتفصيل هذه المبادئ في نصوص دستورية دقيقة هو ما يؤدي إلى انسياب عمل الدولة، وسهولة العلاقة بين السلطات، ذلك أن المقصود بوضع المبادئ هو ضمان سير المؤسسات بصورة مثالية، وتحقيق انسجامها، وضمان عدم تغلب مؤسسة على أخرى أو تهميشها أو تعطيل العمل الدستوري.
إن مشروع الدستور الليبي ومع اتباعه للمبادئ العامة التي سارت عليها الدساتير، إلا أنه فهم المسألة على أنها القدرة على (تعطيل) عمل المؤسسات الأخرى، فقد جعل من كل مؤسسة -تقريبا- أداة لتعطيل المؤسسات الأخرى، وهو ما سيؤدي -في النتيجة- إلى الشلل شبه التام في عمل الدولة.
إن هذا البناء “التعطيلي” نجم عن عدة أسباب، يأتي في مقدمتها ضعف التراكم الديموقراطي، وانعدام الثقة في مؤسسات المستقبل، والمبالغة في التحوط من احتمالات المستقبل، وفق ما أفرزته التجربة الليبية الحالية، وضعف الانسجام بين أعضاء الهيئة النابع من اعتقادهم بتمثيل مكونات متعددة دون مد البصر، إلى حقيقة الهيئة باعتبارها مؤسسة وطنية يقع على عاتقها وضع دستور وطني.
يصعب -من الناحية الواقعية- حصر مظاهر التعطيل في مشروع الدستور، إذ إن كل مؤسسة بنيت على افتراض عدوانية المؤسسات الأخرى، وتربصها بغيرها من المؤسسات، بل إن المؤسسة الدستورية الواحدة بنيت على مبدأ التعطيل.
إن السلطة التشريعية القائمة على مجلسين بنيت على التوافق والتعطيل، فقد نص مشروع الدستور في عشرات المواقع على اشتراك المجلسين في بعض المهام، مثل تعيين رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة، وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، وممارسة الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية إلخ.
إن مشروع الدستور لم يفصل هذه القضايا ولم يحدد أين تبدأ أو تنتهي صلاحيات كل غرفة، وإذا لم يحدث التوافق حول التعيينات أو القوانين، فما الحل؟ وما آليات التوفيق بين المجلسين؟ ومن له الكلمة العليا في شأن من الشؤون؟ إلخ.
ولا يشفع في ذلك التحجج بما جاء في المادة (81) التي تنص على فك الاشتباك في أنواع محددة من القوانين دون غيرها، وهي غالبا لن تحل الإشكاليات حتى في هذا النوع من القوانين، كما لا يشفع القول بترك بعض الأمور للقوانين العادية المنظمة لعمل الهيئات المستقلة لوضع التفاصيل، لأن هذه القوانين نفسها ستكون محل خلاف وتعطيل بين المجلسين قبل وضعها!!
إن بناء السلطة التشريعية نفسها جاء معيباً، ومن المرجح أن ينشأ النزاع والتعطيل فور ظهور المجلسين، وقد لا تتمكن الدولة من العمل أبداً.
إن العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية أشد تعقيداً، والأرجح أن يقود تنظيمها إلى مماحكات بلا نهاية وتعطيل يشل عمل الدولة، وإذا كان من الصعب تتبع كل نصوص المشروع المنظمة لهذه العلاقة، ومعظمها يقود للتعطيل، فيكفي أن نلاحظ كيفية ممارسة حق الحل ومنع الثقة.
نص المشروع في المادة (115) على صلاحيات مجلس النواب بمنع الثقة عن الحكومة بأغلبية ثلثي أعضائه، وبعد جلسة استجواب، وبناء على طلب مقدم من خمسة عشر عضواً، وذلك يعني:
أ- الاستحالة شبه المطلقة لسحب الثقة من الحكومة، بسبب الأغلبية الكبيرة (الثلثين)، وهو إجراء غير مسبوق في النظم البرلمانية التي تكتفي بالأغلبية المطلقة.
ب- تعليق منع الثقة على الاستجواب، والاستجواب إجراء دستوري لم ينظمه المشروع، بل ترك تنظيمه للائحة مجلس النواب، وتلك حالة من أغرب حالات التنظيم الدستوري، ومن المحتمل أن الهيئة لم تدرس مسألة الاستجواب لتعرف تداعياته ونتائجه، والتي يأتي في مقدمتها سقوط الحكومة ومجلس النواب معاً. وهو ما دفع الهيئة لممارسة الغموض في هذا الشأن.
ج- إن التوازن بين السلطات والممارسة المسؤولة تستوجب ربط منع الثقة بحل مجلس النواب، ذلك ما تذهب إليه كل الأنظمة الدستورية، وإذا لم يتم هذا الربط فإن منع الثقة يتحول إلى إجراء ديماغوجي لا مسؤول، والأرجح أن يتحول هذا الإجراء وفق التنظيم المشار إليه إلى لعبة خطرة بيد المجلس، دون أيَة قيمة دستورية له، أو أن يتحول إلى أداة تلاعب بالحكومة، ومصدر تهديد يجبرها على العمل الطائش، والممارسة غير المسؤولة.
أما حق الحل، فقد جاء أيضا على نحو شديد الغرابة، فقد أعطاه المشروع لرئيس الجمهورية وحده، دون أي دور للحكومة، وهو حق معلق على ما يلي:
أ- وجود أسباب وجيهة تتعلق بعرقلة السياسة العامة للدولة، أو خطة التنمية، أو تعطيل الموازنة دون مبررات حقيقية، أو مخالفة أحكام الدستور.
ب- موافقة المحكمة الدستورية.
ج- موافقة الشعب بالاستفتاء العام (المادة 109).
وفي ظل هذا التنظيم يصبح من المستحيل حل المجلس، مما يجرد السلطة التنفيذية من أهم أسلحتها.
تذهب معظم الدساتير إلى منح السلطة التنفيذية سلطة حل المجالس النيابية إذا وجدت أسباب وجيهة، ولمنعها من العبث بهذه الصلاحية فإن الدساتير تسقط الحكومة في الوقت نفسه، مما يعني (الاحتكام للشعب) بانتخابات جديدة، ذلك هو معنى التوازن والمسؤولية، غير أن مشروع الدستور التفت عن كل هذه الطرق الديموقراطية المجربة، لتتحول النصوص إلى إجراءات تعطيلية لا أكثر.
إن المشروع ذهب أبعد من ذلك في المادة (115) حين منح مجلس النواب سلطة إيقاف الرئيس وعزله، وهو ما يعني تجريد الرئيس من سلطته التهديدية، إذ بإمكان مجلس النواب استخدام هذه الصلاحية عند شعوره باحتمالية استخدام الرئيس لسلطته التهديدية!!
إنه نظام غريب لتحقيق مبدأ التوازن، تعكسه كل النصوص المتعلقة بالعلاقة بين السلطات القائمة على مبدأ التعطيل، وهو ما تكشفه النصوص المنظمة للعلاقة بين الرئيس والحكومة، والسلطة التشريعية والقضائية. (كل سلطة تعطل الأخرى).
ذلك هو المبدأ الجديد المهيمن على مشروع الدستور الليبي.
إن فكرة التعطيل المتبادل للمؤسسات الدستورية، هي الفكرة المهيمنة على التنظيم الدستوري، وقد استعصى علي في الواقع حصر مواطن التعطيل، وكأن المبدأ الذي قام عليه هذا المشروع هو مبدأ “التعطيل” بحيث تقف كل سلطة في مواجهة الأخرى، ليس لمنعها من التغول على غيرها، بل لمنعها من العمل دون موافقتها، ومبدأ “التوافق” الذي ينطوي على مدلول إيجابي أحيانا، سيتحول إلى مبدأ “المساومة” ليس لتحقيق المصالح العامة، بل لتحقيق المنافع والمآرب الشخصية، وتغليف ذلك بغلاف أخلاقي، وتصبح المساومات وكأنها للدفاع عن حرمة الدستور.
إن المبدأ الرئيسي الذي يجب أن يقوم عليه الدستور هو مبدأ “تعاون السلطات وتكاملها”، وليس صراعها واحترابها، لكن مبدأ “التعاون” هو السلعة النادرة في المشروع، بسبب مناخ الشك وانعدام الثقة والخوف من المستقبل لا الأمل فيه، وتلك هي الثمرة المرة للدساتير التي توضع في زمن الحروب، وتهشم الوحدة الوطنية.
رابعاً: إنني لا أستطيع مواصلة تعداد العيوب في هذا المشروع، فذلك يتطلب حجم كتاب، فما من مادة أو فكرة في هذا المشروع إلا وتستحق التأمل والتعليق، نقدًا أو استحسانًا، لكنني أشرت إلى عينات قليلة للدفع نحو الحذر والمراجعة العاقلة المسؤولة، قبل أن يفلت الدستور من بين يدي الذين وضعوه، والمسؤولين بعدهم عن عرضه وإقراره، والشعب الذي عليه أن يقول فيه كلمته ليجني الثمار أو يدفع الثمن، ولا يتبقى بعد ذلك غير ملاحظات أخيرة لا يجب إهمالها وهي:
❖ إنه لأمر شديد الغرابة أن يوضع دستور في القرن الحادي والعشرين خاليا من مصطلح “الديموقراطية” عقيدة الشعوب في قرن العلم الوضاء، والقاسم المشترك بين الأمم جميعا، ودليل النضال للمكافحين في سبيل الحرية، والأمر في ظني ليس مصادفة من مصادفات الصياغة، بل تدبير مقصود، دفعت إليه تيارات سياسية تصر على الوقوف في وجه موجة التطور، والاستفادة من منتجات الحضارة الإنسانية التي أسهم فيها العرب والمسلمون طوال التاريخ، من حيث أشكال الحكم والقيم التي تشكل مضمونها، فالديموقراطية التي أصبحت سمة من سمات الحداثة والتطور، وقيمة من قيم الإنسانية عامة؛ أهيل عليها التراب في مشروعنا العتيد، لتحل محلها عبارات غامضة وضعت في شكل ألغام، ستستخدم فيما بعد لغرض مشروعات لمصلحة التطرف، وعلى الناس أن تقرأ هذه النصوص بعناية فائقة قبل الاستفتاء عليها وقبولها.
❖ أجدد التأكيد على حماسي الشديد لصياغة دستور يسهم في رفع المعاناة عن شعبنا الطيب، ويصل به إلى المرحلة النهائية لبناء الدولة، والخروج من حالة العبث التي فرضتها مراحل انتقالية، أصبحت محل تشاؤم للأغلبية الساحقة من الشعب، ومصدر قلق لنخبته الواعية، لكن هذا الحماس لا يجب أن ينطوي على “التسرع” والقبول بأي دستور، فأمام الشعب الليبي فرصة حقيقية لكتابة دستور يعبر عن طموحاته وآماله، ويقوده إلى بناء دولة حديثة مستقرة، ومؤسسات متطورة تليق بأمجاده وكفاحه وتراثه العظيم.
إنني أدعو إلى اغتنام هذه الفرصة، وأطلب من نخبة ليبيا مساعدة شعبها على عدم ارتكاب أخطاء إضافية، قد تضاعف المعاناة في المستقبل.
❖ إن الدعوة للتريث لا تعني وقف العمل، بالاستمرار فيه بالمراجعة والتدقيق، قبل أن تذهب الفرص، وهي دعوة للهيئة الدستورية نفسها التي قامت بعمل مرهق، وعليها أن تستكمل جهدها في أجواء مفعمة بالوطنية، فهي هيئة محترمة ومنتخبة بصورة شرعية، ليست محل نزاع، ولا تخلو من الوطنية والكفاءة للتصدي لمثل هذا العمل التاريخي العظيم، وإذا كانت -فيما مضى- قد عملت في أجواء التوتر، فإن بمقدورها أن تستعيد أجواء الوطنية لتنغمس في عمل وطني جليل، وتقدم لشعبها أفضل الدساتير إذا تطهرت من النوازع الشخصية والجهوية والمخاوف.
إنّ مشروع الدستور ما زال بين أيديها، ولا يشفع في ذلك التحجج بنصوص الإعلان الدستوري التي قد تعيق صلاتها بالمشروع، وفي نهاية المطاف فإن نصوص هذا الإعلان ليست مقدسة، وقد جرى اختراقها مرارا من كل المؤسسات في الدولة تقريبا، وإذا كان الخيار يدور بين اختراق الإعلان الدستوري أو تقديم مشروع معيب، فإن الاختراق من أهون الشرور، وعلى الهيئة ومؤسسات الدولة الأخرى إيجاد الطريق الدستوري للمراجعة العاقلة المسؤولة، عوضا عن الاندفاع نحو خطوة ليست محسوبة، هي -في الغالب- قفزة في الهواء لا يعرف أين سيقع صاحبها.
وبعد.. فلا يتبقى غير دعاء المؤمنين.
اللهم ولِّ علينا خيارنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *