شخصية وطنية – المفكر الإسلامي الدكتور محمد أحمد الشريف .

ولد الدكتور محمد أحمد الشريف في الثالث من شهر أكتوبر عام 1937 في أسرة ليبي لها تاريخ مشرف في ساحات الجهاد وميادين العلم، فهو ابن المجاهد أحمد منصور الشريف، الذي شارك في الجهاد ضد الغزاة الطليان، فحكمت عليه سلطات الاحتلال بالإعدام بسبب مشاركته في الجهاد، ما جعله وعددا من المجاهدين ‏يلجؤون إلى جنوب البلاد بعد ضعف حركة المقاومة. ونتيجة لملاحقة الطليان للمجاهدين المطلوبين من قبلهم في الجنوب هاجر إلى مصر واستقر في مدينة السلوم المتاخمة للأراضي الليبية هو وعدد كبير من المجاهدين والمواطنين اللاجئين. وهناك تزوج وأنجب ابنه محمد في السلوم في شهر أكتوبر عام 1937.
شهد العام 1945 الذي هزمت فيه إيطاليا في الحرب العالمية الثانية وفاة المجاهد أحمد منصور الشريف ليترك ابنه محمد يتيماً لم يتجاوز السابعة من العمر.
عادت أسرة الشريف إلى ليبيا وفيها بدأ الفتى محمد الشريف تعليمه حيث التحق بمدرسة فندق بن غشير الابتدائية عام 1945، وفيها أنهى أولى مراحل تعليمه متحصلاً على الشهادة الابتدائية عام 1951. ليلتحق بعدها بمدرسة طرابلس الإعدادية حيث حصل على الشهادة الإعدادية في يونيو عام 1953 مواصلاً دراسته ليحصل على الثانوية العامة في يونيو عام 1956.
رغم الظروف الصعبة التي كانت تمر بها البلاد والفقر المدقع الذي ألجأ غالبية الليبيين للعمل لكسب قوتهم فقد كان شغف الشاب محمد الشريف بالمعرفة وحرصه على مواصلة تعليمه دافعاً له لشد الرحال إلى شرق البلاد حيث التحق بكلية الآداب والتربية في الجامعة الليبية في بنغازي أواخر عام 56. ليتخرج في قسم الفلسفة بدرجة امتياز في يونيو عام 1960، ونظراً لتفوقه اختير عقب تخرجه معيداً في الكلية نفسها.
أوفد في فبراير عام 1961 إلى الولايات المتحدة الأمريكية والتحق بجامعة شيكاغو ومنها تحصل على درجة الماجستير في فلسفة الأخلاق في يونيو عام 1963.
عاد بعدها ليلتحق بالتدريس بكلية الآداب والتربية في بنغازي لمدة عامين. ثم أعيد إيفاده في سبتمبر عام 1965 لدراسة الدكتوراه، فعاد والتحق بنفس الجامعة التي منحته الدكتوراه في الفلسفة في يونيو عام 1971.
خلال إعداده أطروحة الدكتوراه قام بأبحاث ودراسات في عدد من الجامعات الأمريكية من أهمها: جامعة هارفارد التي أعد فيها بحوثاً في فلسفة الأخلاق على مدى سنة ونصف من يونيو عام 1969 إلى ديسمبر عام 1970. كما نشرت جامعة ولاية نيويورك كتابه عن (نظرية الفضيلة عند الإمام الغزالي) منتصف السبعينيات من القرن الماضي.
بعد عودته إلى أرض الوطن تابع عمله في التدريس بكلية الآداب والتربية بالجامعة الليبية في بنغازي وفي أغسطس عام 1971 تم تعيينه عميداً لكلية التربية بالجامعة الليبية في طرابلس لمدة عام.
في 17/7/1972 تم تعيينه وزيراً للتربية والتعليم، وبقي في المنصب حتى 1/1/1980، وخلال هذه الفترة شهد قطاع التعليم في ليبيا نهضة حقيقية، حيث أشرف على إنشاء مئات المدارس في أرجاء البلاد كافة لتتاح فرصة التعليم الأساسي والمتوسط لكل طفل وشاب، كما تم بناء وافتتاح عشرات المعاهد المهنية.
أما التعليم العالي فقد شهد في عهده قفزة نوعية غير مسبوقة، إذ تم في فترة توليه مسؤولية التعليم التوسع في الجامعات التي كانت مقصورة على مدينتي طرابلس وبنغازي لتشمل مدناً أخرى في البلاد فتم إنشاء وتجهيز وافتتاح العديد من الكليات والمنشآت الجامعية، كما تم تطوير جامعتي بنغازي وطرابلس.
شهد عهد الدكتور الشريف إيفاد أعداد كبيرة من الخريجين الليبيين للدراسة العليا بالخارج لتأهيلهم بغرض سد احتياجات قطاع التعليم ومواكبة التوسع فيه. كما أولى أهمية خاصة لتطوير المناهج والوسائل التعليمية وتأهيل المعلمين ورفع كفاءتهم.
بالإضافة إلى منصبه كوزير للتعليم تولى خلال عقد السبعينيات رئاسة اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم والتي أسس من خلالها لعلاقة تعاون وثيقة مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو) والمنظمتين الإسلامية والعربية للتربية والثقافة والعلوم، وتمكن من وضع وتنفيذ عدد من المشروعات والبرامج التعليمية والثقافية على المستويات العربية والإسلامية والعالمية من خلال هذا الموقع. وواصل متابعة عدد من هذه المشاريع في وقت لاحق من خلال موقعه كأمين لجمعية الدعوة الإسلامية العالمية.
ساهم في وضع لبنات المشروع العلمي البحثي التوثيقي الموسوعي الضخم (تاريخ أفريقيا العام) الذي استمر إنجازه قرابة العقدين من الزمن بمساهمة كبيرة من ليبيا تحت إشراف المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو).
ترأس وفد ليبيا للمؤتمر العام للمنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو) لثلاث دورات أعوام 1972، 1976، 1978.
ترأس لجنة استراتيجية التربية في الوطن العربية المنبثقة عن اجتماع وزراء التربية العرب بصنعاء عام 1972.
اختير عضواً بالمجلس التنفيذي للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم خلال عامي 1971 و1972.
في يناير عام 1980 تم تعيينه أميناً لجمعية الدعوة الإسلامية العالمية خلفاً للشيخ محمود صبحي، ومن خلال موقعه كأمين عام للجمعية استطاع أن يطور العمل الدعوي والثقافي بشكل لافت للنظر، حيث أشرف على إنشاء وافتتاح عدد كبير من المراكز الثقافية الإسلامية في قارات العالم الخمس.
وتمكن من تقديم الصورة الحقيقية للإسلام من خلال نشر المفاهيم الصحيحة المستمدة من روح الدين الإسلامي، بعيداً عن التطرف والغلو والتشدد، والحرص على فتح الحوار مع قيادات ومعتنقي الديانات الأخرى وقد فتح باب العلاقة مع الفاتيكان وساهم بشكل كبير في إثراء وتطوير الحوار الإسلامي المسيحي.
أولى الدكتور الشريف اهتماماً كبيراً بكلية الدعوة الإسلامية التي أسست عام 1974م، كمؤسسة جامعية تتبع جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، وقام بإنشاء مقر نموذجي لها في مدينة طرابلس، وقام بافتتاح فروع لها في لبنان وبنين والسنغال، وتشاد، وبريطانيا. وسوريا. واهتم بتطوير التدريس والبحث فيها، وتم في عهده تخريج آلاف الدعاة الذين درسوا علوماً مختلفة في تخصصات تطبيقية وإنسانية متنوعة بالإضافة إلى دراستهم للغة العربية والعلوم الدينية وطرق الدعوة ومهارات التواصل وأساليب الحوار.
أشرف الدكتور الشريف على ترجمة وطبع وتوزيع القرآن الكريم بعدد كبير من لغات العالم، كما تولت الجمعية في عهده إصدار مئات الكتب العلمية والثقافية والدينية بعدة لغات، وتم تعليم اللغة العربية للآلاف من غير الناطقين بها، مما كان له الأثر البالغ في نشر الثقافة العربية الإسلامية في أرجاء المعمورة.
عمل الدكتور الشريف على تطوير الأداء الإعلامي وتوظيفه لخدمة العمل الدعوي حيث تم في عهده تأسيس قناة التواصل الفضائية لبث البرامج الدينية والتثقيفية، وإصدار صحيفة الدعوة الإسلامية بخمس لغات هي، العربية والإنجليزية أسبوعياً، والفرنسية والإسبانية والهوسا شهرياً.
البعد التنموي كان حاضراً في عمل الجمعية في دول العالم فتم الاهتمام ببرامج محو الأمية ودعم بناء المدارس والفصول التعليمية في المناطق المحرومة من التعليم، وطبع وتوزيع الكتاب المدرسي وتنظيم الدورات التدريبية في مجال المهن والحرف ودعم تأسيس مشروعات صغيرة بما يمكن المتدربين من كسب قوتهم والعيش بكرامة.
لم يقتصر عمل الجمعية على النشاط الدعوي فقد كان العمل الإنساني ضمن أولويات الجمعية خلال فترة إدارة الدكتور الشريف لها، فتم تسيير القوافل الطبية والغذائية وحملات الإغاثة لمساعدة المسلمين وغيرهم من الناس في المناطق المنكوبة بسبب الفيضانات والأوبئة والزلازل وغيرها من الكوارث الطبيعية.
أشرف على تأسيس القيادة الشعبية الإسلامية العالمية التي ضمت غالبية القيادات الفكرية والروحية والسياسية الإسلامية في العالم، وساهم بفعالية في تنظيم جهودها وتقريب وجهات النظر بينها وتوحيد صفوفها خدمةً للإسلام والمسلمين.
شهد عهده اعتناق آلاف الناس للإسلام كان من بينهم رؤساء دول وملوك وسلاطين وزعماء قبائل نتيجة للتأُثير الإيجابي للعمل الدعوي والخيري الذي قادته جمعية الدعوة الإسلامية حول العالم لأربعة عقود متواصلة كان للدكتور الشريف دور محوري ومؤثر فيها.
ساهم عمل الجمعية في توثيق علاقات ليبيا بعدد من دول العالم وتعزيز مكانتها الدولية خصوصاً في قارتي أفريقيا وآسيا، وقد كان لشخصية الدكتور الشريف المتزنة وحكمته وحسن تصرفه دور كبير في ذلك، وجسدت الجمعية في عهده نموذجاً متميزاً للدبلوماسية الناعمة وتأثيرها الإيجابي في بناء وتطوير العلاقات بين الدول والشعوب على أسس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
لم تمنعه مهامه كوزير للتعليم وبعد ذلك كأمين عام لجمعية الدعوة الإسلامية من العمل الأكاديمي والإشراف على طلبة الدراسات العليا، حيث ساهم في الإشراف على عدد كبير من طلبة الدراسات العليا لمرحلتي الماجستير والدكتوراه في تخصصات الفلسفة والتربية والدراسات الإسلامية في عدد من الجامعات الليبية والعربية وشارك في مناقشة رسائلهم العلمية وإجازتها.
تزوج من ابنة عمه السيدة الفاضلة سعاد الشريف التي أنجب منه 6 أولاد وبنتين، أنهوا تعليمهم في المدارس والجامعات الليبية بنجاح وتفوق في مجالات الطب والهندسة والاقتصاد وإدارة الأعمال، وشقوا طريقهم في حياتهم المهنية بجدارة.
تكريساً لمكانته العلمية والأدبية تم اختياره لعضوية العديد من اللجان والمجالس:
حيث اختير عضواً بمجلس الأمناء لمعهد الأمم المتحدة للبحوث والتدريب بنيويورك عام 1977 واستمرت عضويته في هذا الموقع أكثر من ثلاثة عقود من الزمن.
واختير عضواً لمجلس إدارة اللجنة الدولية للحفاظ على التراث الإسلامي.
كما تم اختياره عضواً للجنة تخطيط الثقافة في الوطن العربي خلال الفترة من 1982 إلى 1985.
واختير عام 1982 عضواً بمجلس أمناء معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بجامعة فرانكفورت الألمانية.
وفي عام 1985 تم اختياره عضواً لمجلس أمناء جهاز التعاون الدولي لتنمية الثقافة العربية الإسلامية في الخارج.
اختير أيضاً رئيساً للجنة تنسيق العمل الإسلامي المنبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1996.
واختير عضواً بمجلس أمناء الجامعة الإسلامية في أوغندا. وعضواً بمجلس أمناء الجامعة الإسلامية في النيجر.
كما اختير رئيساً لمجلس إدارة مركز الأبحاث للتاريخ والفنون الإسلامية بمدينة اسطنبول التركية.
تقديراً لجهوده الكبيرة وإسهاماته المهمة واعترافاً بفضله تم تكريمه من عدد كبير من الجامعات والجمعيات والمنظمات الأهلية والمؤسسات الثقافية والعلمية في العالم ومن رؤساء الدول والحكومات فتم منحه عددا يصعب حصره من شهادات التكريم والتقدير. وفي عام 2002 أسندت له جائزة القذافي العالمية لحقوق الإنسان إلى جانب عدد من المفكرين والمثقفين والأدباء كروجيه غارودي ونديم البيطار وإبراهيم الكوني. كما منحته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الدرع الذهبي الأكبر) الذي يعد أعلى الأوسمة التي تمنحها المنظمة وذلك تقديراً لدوره في خدمة الثقافة العربية الإسلامية ودعم رسالة المنظمة وإنجازاته المتميزة في مجال التربية والتعليم.
استمر في عمله أميناً للجمعية حتى عام 2011، وبذل كل ما في وسعه لاحتواء الأزمة التي عصفت بالبلاد عام 2011، إذ أعلن عن إطلاق قافلة لم الشمل، وساهم في الجهود الدبلوماسية الرامية لنزع فتيل الأزمة وأدى واجبه بكل وطنية والتزام.
بعد الأحداث تم الزج به في السجن، وأفرج عنه مع مجموعة من القيادات الوطنية صيف عام 2016. وإثر خروجه من السجن تابع دراساته وأبحاثه، وأصدر عدداً من الكتب والدراسات في مجال تخصصه.
رغم الظروف الصعبة وتواجده بعيداً عن أرض الوطن فهو يواصل اهتمامه بمجريات الأحداث في البلاد، ويتفاعل بحس المسؤولية وروح الحكمة مع المبادرات التي تطرح، ولا يتأخر في بذل ما في وسعه من خلال تواصله مع الفعاليات الوطنية من كل الأطراف، مسدياً النصح داعياً للحوار مقرباً لوجهات النظر منادياً بجمع كل الأطراف الليبية دون إقصاء أو تهميش. ساعياً للحفاظ على وحدة البلاد والخروج بها من أزمتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *