إلى الأمام حوار في الحوار

بقلم: مصطفى الزائدي
عندما تتأسس تصوراتنا للمستقبل فقط من الواقع ووفقًا لمعطياته، فلن نرسم سوى صور قاتمة من الماضي!
وعندما نحصر تفكيرنا في الأدوات القائمة للبحث في إدارة ناجحة لمشروع التحول إلى غد أكثر إشراقًا فإننا فقط نحكم على التحول بالفشل الذريع!
بالتأكيد ذلك لا يعني أن نخطط لمستقبلنا بناء على أوهام وافتراضات خيالية، لا يوجد لها ما صدق على الأرض، ولا أن نتصور تكوين أدوات ملائكية تصنع خصيصا لقيادة تلك المرحلة، بل يعني أن نفكر بطرق مختلفة ونبحث في أدوات جديدة ليست مستهلكة ومنهكة ومنغمسة في الحالة التي نتفق جميعا على ضرورة الخروج منها، الحالة الليبية ليست معقدة إطلاقا، فأسبابها معلومة وعندما يعرف السبب يسهل العلاج ويتيسر الحل.
الأزمة الليبية في ركنها الأهم ناتجة عن تدخل خارجي فج في الشأن الداخلي، هذا أمر أتصور أن أغلبية الليبيين يجمعون عليه الآن، ومحاولات فاشلة من هذا الأجنبي في زرع بدور فتنة قد تؤسس لصراع طويل يعقد الأزمة، فلا محاولات خلق فتنة دينية نجحت ولا محاولات زرع فتنة جهوية وقبلية نجحت، رغم ما قامت به مجموعات مرتبطة بالخارج من أعمال باسم مدن وجهات وقبائل، من جرائم كان القصد الأساس منها إحداث صراع دائم بين المدن والجهات، ونلاحظ ذلك واضحا في خطاب حقوق المدن المنتصرة وضرورات إذعان القبائل والمدن المهزومة، رغم عدم وجود مدن منتصرة ولا أخرى مهزومة أصلا، فالمنتصر هو الأجنبي والمهزوم هم الليبيون بكل قبائلهم وجهاتهم، والدليل على ذلك، نجده في أوراق قديمة مثل مانشيت صحيفة الصن اللندنية يوم 21/10/2011 الذي كان بالخط العريض مرفوقا بصورة للقذافي مقتولا، “هذا من أجل لوكربي، والشرطية فليتشر، وضحايا الجيش الجمهوري الأيرلندي”، ويمكن أن نطالعه في آخر تصريحات القادة الغرب ومنها ما أقر به أوباما في كتابه الجديد “أرض الميعاد”.
أما محاولة تقسيم ليبيا إلى سكان أصليين وآخرين طارئين فقابلها الليبيون بالسخرية رغم خطورتها، وظلت حبيسة أدوات إعلام بعض الجواسيس والعملاء الذي يعملون جهارا لضرب الوحدة الترابية لأقطار الوطن العربي خاصة في جناحه الغربي.
لو بنينا حلولنا على الوضع الراهن فهذا يعني أنها ستكرس فقط هيمنة الأجنبي على القرار الوطني، ولو وضعنا تنفيذها بيد القوى المتحكمة صوريا في المشهد حاليا، فذلك يعني استمرار حالة الارتهان للخارج.
الحوار الناجح ينطلق من السؤال: ماذا نريد؟
وفقا للهدف تصمم الحلول القادرة على تجاوز الأزمات، البعض يعتبر الثوابت الوطنية هي غاية أي حل للأزمة، لكني أراها غير كافية، ومنقوصة ما لم تكن مقرونة بتطلعات المستقبل.
ما يطرح من محاولات للبحث في الأزمة الليبية من أكثرها تطلعا “انتخابات”، إلى أشدها سطحية وتخلفا “تغيير السلطة التنفيذية المفروضة وفقا للمحاصصة” هي كمن يدور في حلقة مفرغة، سيخرج منها بحالة عدم اتزان، وبالرغم من أن الأزمة الليبية تم التعامل معها بكلتا الطريقتين التي اعتبرت اختراقًا خطيرا، من خلال انتخابات 2012 و2014 وما صاحبها من ضجيج إعلامي صورها وكأنها فتح مبين، لكن حقيقتها انجلت بعد العدوان على براك وقرار رقم 7 اللعين وحرب فجر ليبيا وبعدها الشروق!
وبعدها اتفاق المحاصصة المشؤوم في الصخيرات الذي خرج بعد عام كامل من المخاض والشد والجذب، فأنتج سلطة وصاية دولية، أدت إلى حرب ضروس وتدخلا أجنبيا ربما كان في حجم تدخل 2011!
فهل بالتكرار يتعلم الشطار!! أم الحمار؟!! سؤال لا أبحث له عن إجابة!
لنَعد إلى مبتدأ الكلام، في نظري من أهم أركان الواقعية السياسية في مسألة الحوار السياسي أن ننظر في تصوراتنا للمستقبل، ونتخذها قاعدة للحلول، وأتصور أن كل الأطراف “رغم كون أغلبها ممثلين لقوى أجنبية طامعة” لا يختلفون في ذلك، أو هكذا يدّعون! نريد بلدا موحدا، آمنا، الناس فيه سواسية، وطنا يحمي الجميع، ويمكن الكل من الخلق والإبداع، ويوفر فرص العيش الكريم للجميع ويفتح آفاق غد أفضل للكل، وطنا يتعايش الناس فيه سلميا، وبالتوافق بين مصالحهم الخاصة.
نقطة من أول السطر، على هذه القاعدة يمكن وفقها تصميم آليات ناجحة لحوار جاد، ويمكن تكوين أدوات فعالة لتحول سريع نحو الاستقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *